المواطنون بتعز يستقبلون العيد بجيوب فارغة وحناجر جافة وجداول ديون تمتد من باب موسى إلى ساحة التغرير
تستقبل مدينة تعز (الواقعة تحت الحصار والشرعية معاً في توليفة سريالية فريدة) عيد الأضحى المبارك هذا العام، وهي لا تبحث عن "لحوم الأضاحي" كما يفعل بقية المسلمين في بقاع الأرض ، بل تبحث عن قطرة ماء تغسل بها غبار الأزمات المتراكمة، وعن "دجاجة" مسكينة تقبل بالتضحية بنفسها في سبيل إسعاد أسرة تعزية، بعد أن أصبحت الخراف أبعد من كواكب المجرّة.
هنا في "الحالمة" التي تحلم فقط بالنوم دون التفكير بـ "عداد الوايت"، يستقبل المواطنون العيد بجيوب فارغة، وحناجر جافة، وجداول ديون تمتد من باب موسى إلى ساحة التغرير.
معركة الوايتات: الماء لمن استطاع إليه سبيلاً.. و"البيت النظيف" رفاهية برجوازية!
إذا كنت تعتقد أن طقوس العيد تبدأ بنظافة المنزل وغسل الملابس، فأنت بالتأكيد لا تعيش في تعز. في هذه المدينة، تحول "وايت الماء" (صهريج المياه) من خدمة أساسية إلى "عريس مرتقب" ينتظره الجميع بشغف، ويدفعون مهراً له يتجاوز ميزانية العيد بأكملها.
يقول المواطن "سعيد الصبري" وهو ينظر إلى خزان بيته الفارغ بنظرة مليئة بالرومانسية الحزينة:
"سعر وايت الماء اليوم أصبح ينافس أسعار النفط العالمية لكي تغسل زوجتي ملابس العيد للأولاد، اضطررت لبيع أسطوانة الغاز وشراء 'نصف وايت'. أصبحنا نتعامل مع الماء كأنه عطر فرنسي فاخر؛ نغتسل بالقطارة، ونتوضأ بالنيّة، ونحلم بنفاد كمية المياه من الكوكب حتى لا نشعر بالذنب لأننا عطشى!"
أسعار الوايتات الجنونية جعلت المواطن التعزي يدخل العيد بمعادلة رياضية معقدة: إما أن يشتري الماء ويدخل العيد نظيفاً وجائعاً، أو يشتري الكعك ويدخل العيد متسخاً وممتلئاً!
بورصة الدجاج: "الريش" بسعر الذهب.. والبيض مخصص للطبقة المخملية!
أما الأضحية بمفهومها الخروفي أو البقري، فقد سقطت من الذاكرة التعزية منذ سنوات وضُعت في خانة "الأساطير القديمة". الصدمة هذا العام هي أن البديل الاستراتيجي—وهي "الدجاجة"—قررت هي الأخرى أن ترفع من قيمتها السوقية وتدخل نادي "المستحيلات".
قمنا بجولة في سوق الدجاج بالمدينة، حيث تقف الدجاجات خلف الأقفاص بكبرياء لا يليق بطير، وكأنها تعلم أن سعرها أصبح يوازي راتب موظف متقاعد.
يقول المواطن "فؤاد الأديمي" متهكماً:
"ذهبت لأشتري دجاجة لعشاء العيد، فظننت أن البائع يقيس وزنها بالجرام وليس بالكيلو! الدجاجة التي كنا نشتريها قديماً بكسر من المال، أصبحت اليوم تحتاج إلى 'جاهة وقبلة فوق الرأس' ودفعة أولى مع تقسيط الباقي. يبدو أن الدجاج في تعز يتناول أعلافاً مستوردة من كوكب المريخ، أو أنها دجاجات تبيض ذهباً ونحن لا نعلم. سينتهي بنا المطاف ونحن نضحي بـ 'مكعبات مرقة الدجاج' (ماجي) لنشتم رائحة اللحم في العيد!"
أزمات تلو الأزمات: عندما يصبح "البقاء على قيد الحياة" إنجازاً!
لا تقتصر معاناة تعز على الماء والدجاج؛ فالمدينة تعيش حالة من "الكوكتيل الكارثي": حصار خانق يقطع الشرايين، غلاء معيشي يطحن العظام، وتدهور مرعب للقيمة الشرائية للعملة المحلية جعل "الريال" يبكي حظه أمام العملات الأخرى.
المواطن هنا يستقبل العيد وهو يفكر بكيفية سداد ديون البقالة، وكيف يقنع أطفاله أن "بابا نويل اليمني" تم احتجازه في النقاط العسكرية ولم يستطع إيصال ملابس العيد. الحكومة تعد بالحلول، والمسؤولون يهنئون المواطنين بالعيد من فنادقهم الفاخرة عبر شاشات التلفزيون، بينما المواطن يبحث عن "شمعة" ليرى بها وجه طفله في ظل انقطاع الكهرباء المستمر وتحويل الخطوط الحكومية إلى خط كهرباء خاص يتجاوز سعر الكيلو الواحد أكثر من ألف ومائتي ريال
العيد "ناشف".. لكن الروح "رطبة"!
سينقضي عيد الأضحى في تعز كما انقضت الأعياد التي قبله سيخرج الأطفال بملابسهم التي بهتت ألوانها، وسيجلس الآباء على عتبات البيوت يتبادلون النكات السياسية الساخرة، وسيشربون الشاي بـ "الشبه" لعدم توفر السكر.
ورغم جفاف الخزانات، وارتفاع أسعار الدجاج، وظلم الأزمات المتلاحقة، تظل تعز قادرة على توليد الفرح من رحم المعاناة. فالمدينة التي لم تمت بالرصاص، لن تموت من العطش أو الجوع. سيضحك أبناء تعز ملء أشداقهم في العيد، ليس لأنهم سعداء، بل نكايةً بكل من حاصرهم، وجوّعهم، وباعهم الوهم بـ "الوايت"!
لم يحاصروا الحجر والشجر فحسب، بل حاصروا الفرحة في عيون الصغار، الذين كبروا قبل أوانهم وتشوهت طفولتهم بملامح الخوف والترقب.
شوارع بنكهة الموت:
يتمشى الموت في شوارع تعز بكل حرية، يقنص عابراً، ويخطف طفلاً يلعب، ويسرق ضحكة كانت تزين وجه عذراء.
خذلان وإصرار:
رغم هذا الخذلان الدولي المفزع، ترفض المدينة أن تموت كلياً، تنزف كبرياءً، وتضم جراحها بيدين مرتعشتين من شدة الألم والجوع.
رماد الذكريات:
تعز اليوم عبارة عن لوحة حزينة رسمت بدموع الأيتام ودماء الأبرياء، مدينة تبكي أطلالها وتشكو لرب السماء ظلماً لم يرحم أنينها
ستظل تعز المدينة التي تحلم أن تصحو يوم ما بأن ماعاشته لم يكن سوى كابوس عابر، وأن تفاصيل الوجع التي حفرت في جدرانها وقلوب أبنائها كانت مجرد وهم تبدد مع خيوط الفجر.
تتمنى لو تستيقظ لتجد طرقاتها مغسولة بالمطر لا بالدماء، وأن الحصار الذي خنق أنفاسها لسنوات قد تراجع كضباب رديء، تاركاً خلفه أبواباً مفتوحة للحياة، وأمهاتٍ لم يذقن لوعة الفقد، وأطفالاً ركضوا نحو مدارسهم دون خوف من قناص يتربص بطفولتهم. تحلم تعز أن تعود كما كانت: عاصمة للنور والثقافة، مدينة تصدح بالشعر والموسيقى بدلاً من أنين الجرحى وعويل الجنائز، مدينة يلتئم فيها شمل الأحبة الذين فرقتهم المسافات الوعرة، وتعود جبالها الشامخة لتحتضن صبرها، شاهدة على أنها نزفت حتى الرمق الأخير، لكنها أبداً لم تمت.