جبلة تحت سياط مليشيا الحوثي: المدينة التي أطفأت قناديلها في معتقل العصور الوسطى
بين أسوار "جبلة" التاريخية، التي حكت يوماً قصص العدل والجمال، يُكتب اليوم فصل جديد من فصول الوجع اليمني تحت سطوة مليشيا الحوثي. لم يعد الحديث هنا عن انتهاكات عابرة، بل عن هندسة دقيقة لسلب المدينة روحها التاريخية وكرامة أبنائها.
في هذا التحقيق، نغوص في دهاليز "عاصمة الدولة الصليحية" لنكشف كيف حوّلت المليشيا التاريخ إلى عبء، وكيف باتت الحياة تحت وطأة تسلطهم صراعاً يومياً من أجل البقاء، بعيداً عن صخب الأخبار السطحية، لنستمع إلى أنين المدينة من خلال أصوات من قلب المعاناة.
شهادات من قلب الجرح
الحاجة "فاطمة أحمد" (نازحة فقدت معيلها)قالت:
تغيرت جبلة تماماً منذ دخول مليشيا الحوثي، لم تعد تلك المدينة التي كانت تفتح أبوابها للمحتاجين. رحل زوجي المعلم منذ عامين، ليس برصاص الحرب، بل بمرض القلب الذي نخر جسده حين انقطع راتبه، ولم نجد قيمة الدواء، حتى المساعدات التي كانت تصلنا من المنظمات يتم نهبها بوقاحة من قبل مندوبي المليشيا في المديرية. يعطوننا وعوداً فارغة، وحين نطالب بحقنا يواجهوننا بالتهديد والوعيد، وكأننا شحاذون في وطننا. والله إني أحياناً أجمع بقايا طعام لأبنائي، بينما أرى قيادات المليشيا تسكن في بيوت المسؤولين وتتحدث عن النصر على شاشاتهم. ابني الصغير يسألني دائماً: لماذا لا نأكل مثل بقية الناس؟ ولا أجد جواباً سوى الدموع التي ذبلت في عيني، جبلة التي كانت تاريخاً للعلم والعدل، أصبحت اليوم مأتماً مفتوحاً لكل أسرة لا تملك ثمن الخضوع والجبايات التي تفرضها المليشيا دون أي خجل أو رحمة.
جبلة اليوم تئن من القهر الذي تمارسه المليشيا ليل نهار
الدكتور "سالم علي" (أكاديمي وناشط مدني)قال:
المشكلة أعمق من مجرد انتهاكات أمنية، نحن أمام عملية مسخ للهوية الجبلية تقودها مليشيا الحوثي بوعي تام. المليشيا تدرك أن جبلة مدينة مثقفة بامتياز، لذا هي تحاول كسر هيبتها عبر استهداف الرموز الاجتماعية وتفكيك الروابط الأسرية. لقد حولوا المساجد والمدارس إلى منابر للشحن الطائفي، وكل من يعارضهم يُتهم بالخيانة أو العمالة. رأيت بأم عيني كيف تم اقتحام منزل أحد وجهاء المدينة من قبل أطقم المليشيا لمجرد أنه انتقد نهب الأرضيات. لقد زرعوا الجواسيس في كل حارة، حتى بات الجار يخشى جاره. هذا الترهيب النفسي هو السلاح الأشد فتكاً من الرصاص، فهم يريدوننا أن نعيش في حالة من الذل الدائم، لنقبل بأي شيء يقدمونه، ولننسى أننا كنا يوماً أصحاب قرار. جبلة اليوم تئن من القهر الذي تمارسه المليشيا ليل نهار لتركيع تاريخها.
يُنهب الربح وتُصادر الحرية
"أحمد الحريبي" (تاجر محلي تضرر من الإتاوات):
في السابق، كان تاجر جبلة يساهم في تنمية مدينته، اليوم نحن نمارس التجارة في حقل ألغام زرعته مليشيا الحوثي. كل يوم يطرق باب محلي عناصر يطالبون بمبالغ طائلة تحت مسميات واهية مثل 'المجهود الحربي' أو 'الاحتفالات بالمناسبات' الخاصة بهم. إذا رفضت، يُغلق محلك فوراً، ويتم استدعاؤك للتحقيق، وتُلفق لك تهم جاهزة بالارتباط بالعدوان. لقد أفلست العشرات من المحلات التجارية، واضطر الكثير من التجار للهجرة من المدينة. الأدهى من ذلك، أنهم يفرضون علينا شراء بضائع معينة من تجار تابعين لهم بأسعار مضاعفة، مما أدى إلى غلاء فاحش يكتوي بناره المواطن البسيط. نحن لا نعيش في سوق حرة، بل في إقطاعية خاصة بمليشيا الحوثي، حيث يُنهب الربح وتُصادر الحرية، وكل ذلك يحدث بينما يتظاهرون بحماية الاقتصاد الوطني وتأمين الأسواق.
نحن الشباب نعيش حالة من الإحباط والقهر
"عبدالرحمن عبدالله" (طالب جامعي):
تخرجت من الجامعة بامتياز، لكن طموحي تبخر بمجرد اصطدامي بالواقع المرير الذي فرضته مليشيا الحوثي على قطاع الشباب. الفرص الوظيفية مقتصرة فقط على الموالين لهم، وحتى المنح الدراسية يتم تزوير كشوفاتها لصالح أبناء القيادات والمنتسبين للمليشيا. أشعر أنني غريب في مدينتي التي ولدت فيها. نحن الشباب نعيش حالة من الإحباط غير المسبوق، حيث يُسحب أقراننا قسراً إلى الجبهات في رحلات لا عودة منها، تحت شعارات دينية زائفة.
جبلة التي كانت منارة للعلم باتت اليوم تخلو من روح الإبداع؛ فالمكتبات أُغلقت، والأنشطة الثقافية مُنعت، واستُبدلت بدورات طائفية قسرية. نحن كشباب في جبلة نعيش صراعاً بين البقاء للمقاومة بصمت، أو الهروب للبحث عن مستقبل في شتات الأرض، تاركين وراءنا مدينة كانت يوماً حلمنا الأكبر.
نوثق يومياً قصصاً مرعبة عن انتهاك حرمات البيوت
"سارة محمد" (ناشطة في المجال الإنساني):
المرأة في جبلة هي الحلقة الأضعف في هذا الاحتلال الحوثي، ومع ذلك فهي الأكثر صموداً. نحن نوثق يومياً قصصاً مرعبة عن انتهاك حرمات البيوت من قبل العناصر النسائية للمليشيا (الزينبيات) اللواتي يقتحمن منازل المدنيين في منتصف الليل تحت ذريعة التفتيش. هذا الفعل بحد ذاته كسر كل التقاليد والأعراف اليمنية التي تقدس حرمة البيت. ناهيك عن الوضع الصحي، حيث المستشفيات تفتقر لأبسط الإمكانات لأن مليشيا الحوثي حولت الموارد لدعم مقاتليها. نضطر كنساء للقيام بأدوار إغاثية تتجاوز طاقتنا لسد رمق الأرامل والأيتام الذين يتزايد عددهم يومياً.
إن الألم الذي تعيشه الأم الجبلية حين لا تجد ما تطعم به أطفالها، أو حين تخشى على ابنها من الاختطاف من قبل المليشيا، هو ألم صامت لا تصله عدسات الكاميرات، لكنه يمثل الحقيقة المرة التي لا يمكن لأي بروباغندا حوثية أن تغطيها مهما حاولوا.
خاتمة:
إن جبلة، بسحرها التاريخي الذي يمتد لقرون، ليست مجرد حجارة وأسوار، بل هي ذاكرة شعب يأبى الاندثار أمام طغيان مليشيا الحوثي. ورغم السياط التي تحاول جلد روح المدينة، يظل الأمل في عيون سكانها هو البوصلة التي تشير إلى حتمية زوال هذا الظلم.
إن هذا التحقيق ما هو إلا صرخة في وجه الضمير الإنساني، لعلها توقظ العالم من غفلته تجاه مدينة تُغتال في صمت، وتؤكد أن التاريخ الذي كتبته جبلة يوماً بالعدل والازدهار، سيظل حياً في صدور أبنائها حتى ينبلج فجر الحرية، وتعود للمدينة قناديلها التي أطفأتها ريح المليشيا السوداء.