سلموا الأرض، والكرامة، ومستقبل الأجيال .. "طوق صنعاء".. حين تتحول الحاضنة إلى ضحية

سلموا الأرض، والكرامة، ومستقبل الأجيال .. "طوق صنعاء".. حين تتحول الحاضنة إلى ضحية
مشاركة الخبر:

لم يكن أشد المتشائمين في قبائل "طوق صنعاء" (بني حشيش، نهم، وأرحب) يتوقع أن تتحول أرضهم، التي كانت يوماً ما رمزاً للمنعة والسيادة، إلى ساحة استباحة شاملة. فبعد سنوات من الانخراط في مشروع مليشيا الحوثي، يكتشف أبناء هذه المناطق اليوم أنهم لم يسلموا القرار فحسب، بل سلموا الأرض، والكرامة، ومستقبل الأجيال.

المشيخة تحت "الاستلاب".. من زعيم إلى "سمسار"
في العرف القبلي اليمني، يُعد الشيخ وجاهةً يحتمي بها الضعيف، لكن مليشيا الحوثي أعادت هندسة هذه العلاقة لتجعل من الشيخ مجرد أداة قمع. لقد تحول مشائخ بني حشيش ونهم وأرحب إلى "سماسرة حرب" قسراً؛ إذ يُحاسب الشيخ وفق "بورصة التجنيد" و"أرقام الجبايات".

عقوبة الفشل
أي شيخ يعجز عن توريد العدد المطلوب من المقاتلين أو الأموال للمليشيا، يصبح هدفاً للتأديب؛ تبدأ العقوبة بالتشهير الإعلامي، وتنتهي بالزج به في السجون، دون اعتبار لمكانته الاجتماعية أو سنه، في مشهد تعمدت من خلاله المليشيا كسر هيبة الشيخ لضمان خضوع القبيلة.

الإقامة الجبرية "المعنوية"
لم يعد شيخ القبيلة في طوق صنعاء يملك حرية الحركة أو اتخاذ القرار. فالمشرف الحوثي يفرض رقابة لصيقة على أي اجتماعات قبلية، وأصبح مجرد التفكير في عقد لقاء تشاوري لحل قضايا القبيلة دون حضور "المشرف الأمني" يُفسر فوراً على أنه "تواصل مع العدوان" أو "خيانة للمشروع"، مما جعل هؤلاء المشائخ يعيشون في إقامة جبرية معنوية، تُصادر فيها أصواتهم وتُكبل إرادتهم لصالح أجندة المليشيا.

نهب الأراضي.. "الاستيطان الداخلي"
تعاني أراضي بني حشيش ونهم، وهما منطقتان زراعيتان استراتيجيتان وذاتا قيمة عقارية عالية، من عمليات سطو ممنهجة. فبحجة "المصلحة العامة" أو "أملاك الدولة" أو "أراضي الوقف"، تستولي المليشيا على مساحات شاسعة، وتوزعها كإقطاعيات لمشرفيها، بينما يُحرم أصحاب الأرض الأصليون من حق التصرف فيها أو استثمارها، في سياسة تهدف إلى تفكيك الارتباط الجذري للإنسان بأرضه.

استنزاف الشباب و"التنمية المعطلة"
تفتقر هذه المناطق اليوم إلى أدنى مقومات الحياة. ففي الوقت الذي يُستنزف فيه شبابها في جبهات القتال، تعاني القرى من انهيار شبه تام في الخدمات الأساسية.
التعليم والصحة: مدارس شبه مهجورة، ومراكز صحية خاوية من الأدوية، بينما تُحول الميزانيات المخصصة لهذه الخدمات إلى تمويل الأنشطة التعبوية.
الشباب وقود للحرب: يُساق الشباب، وكثير منهم دون سن الثامنة عشرة، إلى جبهات القتال قسراً أو عبر الإغراء بوعود زائفة، تاركين خلفهم عائلات تعاني الفقر المدقع وغياب المعيل، مما أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي داخل القبيلة الواحدة.

غياب العدالة والخدمات
إن التناقض الصارخ الذي يعيشه أبناء "طوق صنعاء" يتمثل في أنهم يدفعون الضرائب والجبايات، ويقدمون الضحايا، لكنهم لا يحصلون على الخدمات. فالطرق متهالكة، وشبكات المياه شبه معدومة، والكهرباء حكر على المشرفين. إنها سياسة "التجويع والإفقار" لضمان بقاء القبيلة تحت رحمة المليشيا، فلا يجد الشاب أو الشيخ أمامه خياراً سوى "الولاء مقابل الخبز" الذي تمنحه له بعد أن سلبته كل شيء.

ختاماً.. هل اقتربت ساعة الحقيقة؟
إن ما يحدث في نهم وبني حشيش وأرحب هو تراكم لظلمٍ مركب. لقد أدركت هذه القبائل أن مليشيا الحوثي لا تؤمن بالشراكة، وأنها حين تنتهي حاجتها إلى أي فئة، تبدأ بسحقها. والاحتقان في هذه المناطق لم يعد مجرد غضب عابر، بل أصبح حالة من الرفض الصامت، تنتظر شرارة واحدة لتتحول إلى انتفاضة شعبية ترفض استمرار الإذلال، وتعيد للقبيلة كرامتها التي سُلبت تحت مسمى "الولاء".