فخاخ الرفض في البنية السيكولوجية والأيديولوجية لجماعة الحوثي..!
تخضع الحركات العقائدية المغلقة والمليشيات الشمولية، في مسار تشكلها واستمراريتها، لأنماط من التفكير الدفاعي العضوي الذي يتجاوز البعد السياسي المباشر ليلامس أعماق البناء النفسي والسوسيولوجي للجماعة.
وعند إخضاع الحالة الحوثية في اليمن للمشرط التحليلي لمفهوم "فخاخ الرفض القاتلة"، تتكشف لنا بنية متكاملة من الاضطرابات الاستراتيجية والأدلجة العميقة التي تعاني منها هذه الجماعة في مواجهة الواقع التاريخي والاجتماعي.
إن الخوف الوجودي من الرفض المجتمعي أو التعددية السياسية لا ينتج بالضرورة مرونة سياسية، بل يولد حالة من التصلب الشمولي، والعنف الممنهج، وإعادة إنتاج الاستبداد بصيغ ميتافيزيقية مقدسة.
أولاً: تفكيك فخاخ الرفض في البنية الحوثية
تتجسد الفخاخ النفسية والسلوكية للرفض في ممارسات الجماعة الحوثية عبر آليات معقدة يمكن قراءتها فلسفياً وفق الآتي:
1 ـ فخ الأقنعة المزيفة
تعاني الجماعة من أزمة شرعية جوهرية تتعلق بانتماءاتها السلالية والمناطقية الضيقة، وهو ما يولّد خوفاً دفيناً من الرفض الشعبي الكلي لأطروحاتها الإقصائية.
هذا الخوف يدفعها إلى ارتداء قناع "المستضعفين" ورفع شعارات وطنية ودينية جامعة كالمقاومة والدفاع عن السيادة، بينما تُمارس في الباطن سياسات تفكيك الدولة ومؤسساتها.
على سبيل المثال، يتم استخدام الخطاب القرآني والتعبئة الدينية لاختطاف الوعي العام، وإخفاء الأجندة الخاصة التي تتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية والعقد الاجتماعي.
2 ـ فخ الحساسية المفرطة للتفسير ورفض الآخر
في الفلسفة السياسية، تُعد التعددية شرطاً أساسياً لوجود الدولة واستقرارها؛ غير أن الجماعة الحوثية تتعامل مع أي نقد، أو فكر سياسي مخالف، أو نشاط مدني، أو حتى تباين ثقافي واجتماعي، باعتباره "مؤامرة وجودية" تستهدف مشروعها الإلهي المزعوم.
إن عجز البنية التنظيمية عن قراءة الاختلاف كاحتمال طبيعي يجعلها تفلسف أي رأي معارض على أنه "خيانة عظمى" أو "عمالة"، مما يبرر قانونياً وأخلاقياً في أدبياتها قمع الحريات، وإغلاق الصحف، وتجريم العمل الحزبي والمدني.
3 ـ فخ التشبث المَرَضي بالسلطة والموارد
تتجسد هذه الحالة بوضوح في تعاطي الجماعة مع مبادرات السلام والاستحقاقات الوطنية؛ إذ تنظر إلى أي تنازل سياسي أو مشاركة في السلطة بمثابة تهديد وجودي وفناء محتم.
هذا التشبث المَرَضي يدفعها إلى تفضيل استمرار الحرب، وتدمير الاقتصاد الوطني، وإفقار ملايين اليمنيين، على أن تقبل بحد أدنى من التشارك أو تداول السلطة.
إن الفلسفة الحاكمة هنا تقوم على قاعدة: "إما أن نحكمكم فنستعبدكم، أو ندمر الهيكل فوق رؤوسكم".
4 ـ فخ الانسحاب الاستباقي من الاندماج الوطني
بدلاً من الانخراط الإيجابي في بناء نسيج اجتماعي متجانس، تعمد الجماعة إلى عزل الحاضنة الشعبية وتطويقها فكرياً عبر آليات منهجية مثل المراكز الصيفية، وتعديل المناهج التعليمية، وفرض رموز وثقافة دخيلة على الهوية اليمنية التاريخية.
هذا الانسحاب الاستباقي من فكرة الاندماج الوطني يهدف إلى تحصين الأفراد التابعين لها ضد أي تأثير خارجي قد يفكك أسطورة الاصطفاء السلالي، ويؤسس في المقابل لجدار عازل بين الجماعة والمجتمع.
ثانياً: الآثار المدمرة على المجتمع والدولة
إن استمرار الجماعة في الوقوع داخل هذه الفخاخ القاتلة لم يقتصر تأثيره على الجانب النفسي التنظيمي، بل أفرز تداعيات كارثية على بنية الدولة اليمنية والمجتمع بأسره، نحو:
1 ـ تآكل الاستحقاق الذاتي والمواطنة المتساوية
قامت الجماعة باستبدال معايير الكفاءة، والخبرة، والجدارة المهنية في تولي الوظائف العامة بمعيار الولاء السلالي المطلق وما تطلق عليه "الاصطفاء".
هذا التحول أدى إلى تدمير البنية الإدارية للدولة، وإقصاء مئات الآلاف من الكفاءات الوطنية لصالح عناصر غير مؤهلة، مما أسس لنظام طبقي عنصري يتنافى تماماً مع أبسط قواعد العدالة الاجتماعية.
2 ـ جذب المستغلين والارتباط العضوي بالقوى الإقليمية
بسبب العزلة الداخلية وفقدان الشرعية الشعبية الطبيعية، تحولت الجماعة إلى أداة طيعة ومغناطيس وظيفي لخدمة الأجندات الإقليمية التوسعية.
إن الخوف الدائم من الرفض الداخلي دفع القيادات الحوثية إلى تسليم القرار السيادي والاستراتيجي لقوى خارجية، مقابل ضمانات الحماية المالية والعسكرية واستمرار الهيمنة بالقوة المفرطة.
3 ـ الوقوع في العزلة السياسية والتاريخية المطبقة
أدت سياسات الرفض المستمر للقبول بالآخر إلى تقوقع الجماعة في شرنقة تاريخية منغلقة، غير قابلة للتطور أو التكيف مع روح العصر الحديث.
إنها تعيد إنتاج صراعات القرون الوسطى في قالب تقني ومؤسسي مشوه، مما يجعلها عاجزة عن تقديم أي مشروع تنموي أو اقتصادي مستدام يخدم المواطن.
4 ـ خلق بيئة الطوارئ الدائمة والاضطرابات النفسية الجمعية
تعتمد استراتيجية البقاء الحوثية على تغذية حالة التوتر الدائم، واختلاق المعارك الوهمية، وإبقاء المجتمع تحت وطأة الخوف والقلق الوجودي المستمر.
هذا المناخ المأزوم يضمن تعطيل أي طاقة شعبية للمساءلة أو التغيير، ويحول المجتمع تدريجياً إلى كتلة ميكانيكية منقادة، محكومة بهاجس البقاء اليومي في ظل الانهيار الاقتصادي والإنساني المريع.
ثالثاً: النتائج الخطيرة لفخاخ الرفض
في سياق تفكيك الأبعاد العميقة للبنية الميليشيوية، لا يمكن فصل النتائج الميدانية عن الجذور النفسية والأيديولوجية الحاكمة.
إن تفشي هذه الأنماط الدفاعية الخاطئة يفرز تحولات خطيرة تطال بنية المجال العام، وتؤسس لواقع معقد يحتاج إلى مقاربة نقدية شاملة.
1 ـ تكريس ثقافة التخوين الشامل
تتجسد الحساسية المفرطة تجاه الرفض في سعي الجماعة المحموم لتجريم كل أشكال التفكير النقدي أو الاستقلالي، عبر شيطنة المخالفين وإلصاق تهم الخيانة بكل من يطالب بحقوقه الأساسية أو يعترض على العبث بمقدرات الدولة.
2 ـ تدمير الذاكرة الوطنية والهوية الجامعة
ينعكس الانسحاب الاستباقي من الاندماج الوطني في محاولات طمس المعالم التاريخية والثقافية لليمن، واستبدالها بروايات سلالية أحادية تهدف إلى سلخ الجيل الناشئ عن محيطه الحضاري والعربي الحقيقي.
3 ـ تحويل الأزمات إلى أدوات استمرار وبقاء
يدفع التشبث المَرَضي بالسلطة الجماعة إلى هندسة الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتعمدة، واستخدام لغة التجويع والترهيب كوسيلة أساسية لكسر الإرادة المجتمعية ومنع أي تفكير في الرفض أو المقاومة المدنية.
4 ـ الاستنزاف الممنهج للطاقات الشابة
تستغل الجماعة حالة العزلة والاضطراب النفسي الجمعي لزج آلاف الأطفال والشباب في محارق الصراعات، مستندة إلى شعارات وهمية تضمن استمرار تدفق الأفراد نحو الموت المجاني خدمةً لمشروع الهيمنة الضيق.
أخيراً، إن جماعة الحوثي، في جوهرها التحليلي، تمثل نموذجاً صارخاً للحركات التي أدمنت فخاخ الرفض؛ فهي تعيش حالة قطيعة تامة مع الواقع الإنساني والسياسي المعاصر.
إن محاولاتها المستمرة لفرض رؤيتها الأحادية بالقوة المسلحة والعنف الرمزي والنفسي ليست سوى انعكاس لعجز بنيوي عن نيل القبول الشرعي والطبيعي.
وحين تغيب الشرعية الشعبية، ويحل محلها منطق القوة والإكراه، تصبح الجماعة رهينة لفخاخها القاتلة، محكومة بنهاية حتمية عنوانها التآكل الداخلي والسقوط الأخلاقي والتاريخي أمام صخرة الوعي الوطني والرفض المجتمعي المتجذر.