تحدث لأول مرة في تاريخ البشرية منذ عهد نوح عليه السلام! المطر في اليمن رحلة ترفيهية مجانية نحو الآخرة!

تحدث لأول مرة في تاريخ البشرية منذ عهد نوح عليه السلام! المطر في اليمن رحلة ترفيهية مجانية نحو الآخرة!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

في كل بقاع الأرض، يُعتبر المطر عنواناً للرومانسية، ورسالة حب من السماء، وسبباً رئيسياً لابتسامة المزارعين واحتفال الأطفال وهم يركضون تحت القطرات المنعشة. إلا في بلادنا السعيدة (أو هكذا يُفترض)، فإن النعمة السماوية تأتي محملة بـ "تذاكر ذهاب بلا عودة"، لتتحول السحب البكّاءة إلى فرقة إعدام جماعية، ويصبح الغيث -بفضل عبقرية البنية التحتية- كارثة وطنية متكاملة الأركان!

​ السباحة الإجبارية: من طلب منك أن تمشي تحت الماء؟
​أفادت التقارير الأخيرة الموثوقة أن أكثر من 22 شخصاً لقوا حتفهم مؤخراً جراء سيول الأمطار العارمة. ولأن العقل البشري المعتاد يعجز عن فهم كيف يمكن لمجرد "مطر" أن يحصد هذه الأرواح، جاءتنا التفسيرات العبقرية لتضيء الظلمات: الضحايا هم المسؤولون عما حدث!
​فكما يبدو، فإن هؤلاء المواطنين البلهاء قرروا بمحض إرادتهم الدخول لـ "السباحة في بحر عميق" وسط الشوارع، متجاهلين النصيحة الذهبية التي أطلقتها جهات الاختصاص: "تجنبوا السوائل.. ويا دار ما مدخلك شر!"
نعم، عزيزي المواطن، المطر عبارة عن "سائل"، والشوارع تحولت إلى "سوائل"، فلماذا تصر على مغازلة الموت بالخروج ومواجهة هذه السوائل بدلاً من البقاء في منزلك المعلق في الهواء؟ هل طلب منك أحد أن تتنفس أثناء هطول المطر؟

​ المسؤولون والشعب: حكاية "الأصنج" الذي يطرب لدفٍّ مكسور
​وكما يقول المثل الشعبي الخالد الذي يختصر مأساة أمة كاملة: "كأنك تغني جنْب أصنج". تصرخ، تنادي، تستغيث، تحذر من انسداد قنوات السيول، تطالب بصيانة السدود، وتنبه إلى تهالك الطرقات.. فلا تسمع سوى صدى صوتك، أو ربما ردوداً فضفاضة تؤكد أن "الأمور تحت السيطرة" وأن البنية التحتية في أفضل حالاتها (في عوالم موازية بالطبع).
​السيول تجرف السيارات، والبيوت العتيقة تتهاوى على أصحابهامثل أوراق الشجر، وشبكات الصرف الصحي تحتفل بالتقاء الحمامات بالشوارع في مشهد سريالي، بينما المسؤول العزيز جالس في مكتبه المكيف، يرتشف الشاي، ويحمل المواطن كامل المسؤولية لأنه تجرأ و"مشى تحت المطر". وكأن الدولة عبارة عن فندق خمس نجوم، والمواطن مجرد نزيل مزعج يشتكي من غرق غرفته!

​الهروب الكبير أو السباحة ببطاقات إضافية
​في النهاية، يثبت لنا الواقع يوماً بعد يوم أن الكارثة الحقيقية ليست في كمية المياه التي تسقط من السماء، بل في العقول الجافة والعقيمة التي تدير شؤون الأرض.
​فإلى أن يكتشف المسؤولون أن المطر ينزل من الأعلى وليس من تحت، وإلى أن يتعلموا أن وظيفتهم هي خدمة الناس لا إحصاء جثثهم، يبقى أمام المواطن اليمني خياران لا ثالث لهما:
​ارتداء بدلة الغطس قبل مغادرة المنزل احتياطياً..​أو باختصار.. "تجنب السوائل"، والجلوس في السحاب بانتظار معجزة إلهية، لأن الأمل فيمن على الأرض كـ "الغناء للأصنج تماماً"!

أرقام الشهداء في "مهرجان السيول السنوي"
​لكي تكتمل الصورة الإحصائية لهذا العبث الإداري، ولكي نمنلئ السجلات الرسمية بأرقام تليق بـ "موسوعة غينيس للأرقام القياسية في الإهمال"، فإننا نسأل بحرقة وتهكم:
كم عدد الموتى الذين تحتاجهم الدولة سنوياً لتقتنع أن هناك مشكلة؟
​الضحايا لا تسقط أعدادهم صدفة، بل تتطاير سنوياً في مهرجان الدم والسيول الذي يتكرر بمواعيد دقيقة كأنه احتفال وطني سنوي. عشرات الأرواح تزهق كل شتاء وخريف، لا لشيء سوى أن المسؤولين يصرون على معاملة "كارثة البنية التحتية" كأنها "أزمة طارئة" حدثت لأول مرة في تاريخ البشرية منذ عهد نوح عليه السلام!
​فبينما تحصى أعداد الموتى سنوياً بالمجان، تظل ميزانية صيانة الطرق وقنوات الصرف الصحي في حسابات "التحويلات السرية" والغياب الأبدي.
​لذا.. لا تقلقوا، فالأرقام في تصاعد مستمر، وحصيلة الموتى السنوية جاهزة دائماً لتُطبع على أوراق المعاملات الرسمية.. تماماً قبل أن يخرج علينا نفس المسؤول ليخبرنا بكل برود: "لقد حذرناكم من تجنب السوائل، فلماذا أصررتم على البلل؟!"