اليمن والعراق .. حين تُباع السيادة في سوق الوكلاء

منذ 53 دقيقة
مشاركة الخبر:

لم يكن الخبر المقتضب الذي تسرّب من بين ركام الغارات الأخيرة في العراق مجرد نبأ عابر عن مقتضى مواجهة عسكرية أو مقتل قيادي ميداني جديد في جرف الصخر، بل كان إقراراً ضمنياً – وغير مسبوق – بسقوط آخر القناعات الزائفة التي طالما حاول إعلام مليشيا الحوثي الإرهابية تسويقها.
اعتراف الميليشيا بمصرع أحد أبرز كوادرها داخل الأراضي العراقية لم يكن خبراً عسكرياً فحسب، بل شهادة وفاة للرواية التي تدعي أن ما يجري في اليمن هو "شأن داخلي" أو حراك ذو أبعاد محليّة خاضعة لظروف اليمنيين وحدهم. إننا أمام لحظة كاشفة، تُفصح بلا مواربة عن حقيقة المأساة التي تعيشها منطقتنا: الميليشيات لم تعد جزراً معزولة، بل أجزاء متداخلة من شبكة إقليمية عابرة للحدود، تُدار وتتحرك بأوامر من غرفة عمليات واحدة تقع في طهران.

البيانات والأدلة الميدانية لم تعد تدع مجالاً للشك؛ فالتواجد الحوثي في العراق لم يعد يقتصر على المكاتب السياسية أو التنسيق الإعلامي، بل تجاوز ذلك إلى الانخراط المباشر في تشغيل المنظومات العسكرية المعقدة، من طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية. لقد أُسست غرف عمليات مشتركة تحت رعاية وإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني، يجلس فيها الكادر الحوثي إلى جوار الفصيل العراقي، لتستقر التجربة الميليشياوية وتتكامل الخبرات في إدارة الموت وتوجيهه.
إنها هندسة صريحة لإدارة الصراعات، تجعل من الجغرافيا العربية برمتها حقل تجارب ومنصة إطلاق لحروب الآخرين، دون أدنى مراعاة للمصالح الوطنية للدول المضيفة أو للشعوب المغلوبة على أمرها.

تفرض الحالة العراقية الراهنة وقفة جادة تستحضر مشاعر القلق والحرص الوطني والقومي، بعد ان تحول البلد إلى منصة لوجستية ومقرات تنسيق وتدريب لعناصر حوثية يعكس اختراقاً خطيراً لسيادة دولة عربية رئيسية، ويسلب بغداد قرارها الوطني المستقل. 
كيف لبلد بحجم العراق، بتاريخه وثقله الحضاري، أن يُراد له أن يكون ملاذاً ومستقراً لقيادات الميليشيات الوافدة من جبال صعدة؟ هذا التمدد الحوثي في بغداد ليس مجرد تعاون بين فصائل مسلحة، بل هو إعادة تشكيل للخارطة الأمنية الإقليمية، حيث تُذوب الحدود الوطنية لصالح "أممية الميليشيات" التي لا تتورع عن تدمير العواصم لتنفيذ أجندات لا تمت لعروبة المنطقة أو استقرارها بصلة.

غير أن الزاوية الأكثر إيلاماً في هذه اللوحة السياسية المعقدة ليست الحسابات الاستراتيجية الملموسة، بل الكلفة الإنسانية والأخلاقية التي تدفعها مجتمعاتنا المكلومة. يتألم المرء وهو يرى شباب اليمن، الذين شُردوا من مدارسهم وجامعاتهم تحت وطأة الفقر والشحن الطائفي، يُساقون ليموتوا في صحاري العراق أو على حدود غير حدودهم، في سبيل قضية لا تطعم جائعاً في صنعاء ولا تعيد الأمان لمواطن في تعز. كما يتألم المرء للواقع العراقي الذي يُستنزف أبناؤه وتُستباح أراضيه لتكون ساحة تصفية حسابات دولية وإقليمية. إنها مأساة وطنين عريقين، اليمن والعراق، يُراد لهما أن يظلا رهينتين في قبضات مسلحة تُقدّس الولاء الخارجي على حساب الانتماء للتراب الوطني.
إن هذا الاعتراف الحوثي والتمدد العابر للحدود يفرض حقيقة جديدة لا يمكن التغاضي عنها: التفاوض مع هذه الجماعات بوصفها مكونات محلية مسالمة هو محض وهم سياسي. الحوثي ليس حراكاً يمنياً يتطلع إلى حلول داخلية، بل هو جزء من فيلق إقليمي متكامل يأتمر بأمر مشروع عابر للحدود، ينتقل من صنعاء إلى بغداد ومن جنوب لبنان إلى دمشق بنفس العقلية وبنفس الأدوات. وتفكيك هذا الخطر لا يبدأ فقط من الجبهات اليمنية، بل بتجفيف منابع التنسيق العسكري في العراق، وإعادة الهيبة لدولة القانون والمؤسسات الوطنية هناك.
لقد أثبتت التاريخ أن المشاريع القائمة على سلب إرادة الشعوب وتصدير السلاح والموت لا يمكن أن تصنع مستقبلاً أو تبني دولاً. وسقوط القيادات الحوثية في العراق هو جرس إنذار أخير يبين أن الحبل الذي يُلتف حول أعناق شعوبنا يزداد إحكاماً.
إن استعادة العراق لسيادته واستعادة اليمن لعافيته واستقلاله ليسا مجرد خيارين سياسيين، بل هما شرطان وجوديان لحفظ ما تبقى من كرامة واستقرار هذه الأمة، كي لا نفيق يوماً وقد أصبحت منطقتنا بالكامل ساحة مفتوحة لحروب الوكالة التي لا تبقي ولا تذر.