تجاهل مستمر: موظفون نازحون يواجهون تعطيلاً لرواتبهم وعلاواتهم القانونية
يخترق صمت الليالي الطويلة في مخيمات النزوح وأزقة الشتات أينما وُجدوا، أنين صامت يعتصر القلوب لآلاف من موظفي الدولة اليمنية النازحين، أولئك الذين حملوا وطنهم في قلوبهم حين عصفت به الرياح، ليفاجأوا بأن الحصن الذي كان ينبغي أن يحميهم — وهو مؤسسات الدولة الرقابية والمالية — قد تحول إلى جدار عازل يتربص بأرزاقهم.
جراح مع وقف التنفيذ
تتكسر على عتبات وزارتي المالية والخدمة المدنية أحلام أسر بأكملها، وكأن الأشهر العجاف والسنين الطوال التي تعاقبت على انقطاع المرتبات لم تكن كافية لإيقاظ الضمائر. يقف الموظف الحكومي النازح — الذي غادر مدينته هارباً بكرامته ونازفاً ذكرياته — ليصطدم ببيروقراطية عمياء وجدران صلبة تعطل صرف مرتباته المنتظمة.
وحين يمتد الأمل نحو "بدل غلاء المعيشة" أو "العلاوات السنوية" التي كفلها صراحةً القانون واللوائح التنفيذية، تجابهه قرارات ارتجالية تجردهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والمعيشية، في مفارقة مؤلمة تجعل النص القانوني حبراً على ورق، والتشريعات العادلة مجرد شعارات مطوية في أدراج النسيان.
أباطرة الظل وخلف الستار
تتداعى إلى الذات أسئلة حارقة تفطر الكبد: من هم هؤلاء المدراء والمسؤولون التنفيذيون الصغار الذين يقفون حجرة عثرة أمام كل انفراجة؟ أإلى هذا الحد بلغت سطوتهم حتى يلووا ذراع القانون، ويتجاهلوا توجيهات الوزراء ورئيس الحكومة؟ إنهم شبكة من البيروقراطيين المتنفذين وأصحاب المصالح الضيقة الذين تحولوا إلى دولة داخل الدولة؛ قوة خفية تعطل قرارات رأس الهرم السلطوي، وتستخف بأنين الموظفين المقهورين. هؤلاء لا يعلوهم قانون، بل يعلون هم فوق كل تشريع، مستغلين حالة الضعف المؤسسي والوهن الإداري لفرض شروطهم وقسوتهم، وكأنهم يعاقبون النازح على نزوحه، ويحاسبونه على انتمائه لوطن يستحق الحياة.
من ينقذ الموظفين النازحين من ظلم بعض القيادات الإدارية في الخدمة والمالية
يتوجه الموظفون والمدراء في وزارتي المالية والخدمة المدنية صباح كل يوم إلى مكاتبهم الرسمية، متسلحين بصلاحيات الدولة ونفوذ وظائفهم، ليمارسوا — عبر تعطيل المذكرات الرسمية وتجاوز توجيهات رئيس الوزراء — أبشع صور التعسف بحق آلاف الموظفين الحكوميين النازحين في الداخل.
هؤلاء الموظفون لم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم حافظوا على ولائهم للدولة ومؤسساتها، ليجدوا أنفسهم محرومين قهراً من أبسط حقوقهم المكتسبة، وفي مقدمتها بدل غلاء المعيشة والعلاوات السنوية التي كفلها القانون صراحةً ولم تصنعها منةً من أحد.
إن التمادي المستمر من قِبل هذه الإدارات في حجب المستحقات وتكبيل إجراءات الصرف يكشف عن خلل هيكلي مرعب، حيث تتحول مراكز النفوذ داخل مفاصل الوزارتين إلى "سلطة موازية" تعطل قرارات رأس الهرم السلطوي وتضرب بالقوانين عرض الحائط، متجاوزةً كل خطوط الرقابة والمحاسبة. وحين تصبح هيبة الحكومة عاجزة أمام غطرسة صغار الموظفين والبيروقراطيين المتنفذين، يتجسد السؤال الأكثر إيلاماً ومشروعية في وجه كل المسؤولين والجهات الرقابية:
من يحاسب هؤلاء؟ ومن يمتلك الشجاعة السياسية والقانونية لكسر شوكة هذا التمرد الإداري، وإنهاء مأساة موظفين أنهكهم النزوح الداخلي وأثقل كواهلهم التجاهل المتعمد لأقوات أسرهم؟
نداء الضمير الحريص
إن ما يتعرض له هؤلاء الموظفون ليس مجرد أزمة إدارية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لعدالة الأرض والسماء. وإن إنصافهم وإعادة رواتبهم ورفع الظلم الممنهج عنهم ليس منحةً ولا تفضلاً، بل هو فرض عين وواجب قانوني وأخلاقي لا يسقط بالتقادم. فمتى تنتهي هذه المأساة، ومتى يتكسر جبروت المتحكمين بأقوات العباد ليعود الحق إلى نصابه، وينعم الإنسان اليمني بكرامة العيش التي سُلبت منه تعسفاً وظلماً؟