خناجر الأقربين .. كيف طعنت تصرفات الشرعية معركتها وخدمت الحوثي؟

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

تتعرض القوى المناهضة للمشروع الحوثي في اليمن، والمحسوبة على "الشرعية"، لطعنات غائرة لم تأتِ هذه المرة من جبهات الخصوم، بل من داخل صفوفها ومن أيدي المنتمين إليها، في تجسيد حي لخطيئة "خناجر الأقربين" التي شوهت تضحيات اليمنيين، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى ساحة للمغانم الشخصية، مما أدى بطريقة مباشرة وغير مباشرة إلى تقوية الحوثي ومنحه قبلة الحياة في اللحظات التي كان فيها في أضعف حالاته. وبدلاً من تقديم نموذج مؤسسي جاذب يلتف حوله الشعب، غرقت الضفة المحسوبة على الشرعية في مستنقع من العبث الإداري والعسكري، مما دفع بالمواطن اليمني نحو مقارنات مريرة بين واقع المناطق المحررة والمناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلاب. وقد تجلى هذا الخذلان أولاً في فساد الوظيفة العامة، حيث تحولت التعيينات في السلك الدبلوماسي والوزارات والمؤسسات الإيرادية إلى هبات عائلية وحزبية، غابت معها الكفاءة تماماً وحلت محلها صلة القرابة والولاء الشخصي، وصار لكل مسؤول "شلة" يدير بها مربع نفوذه، مما أفرغ الشرعية من معناها الأخلاقي والقانوني كممثل للشعب اليمني بأكمله. ولم يتوقف الأمر عند الترهل الإداري، بل امتد لينتج حالة من التخبط والعشوائية، أو ما يمكن تسميته بـ"الهوشلية" العسكرية والإعلامية؛ فعلى الصعيد العسكري عانت الجبهات من غياب القيادة الموحدة واستراتيجيات التخطيط الحقيقي، وسادت العشوائية والارتجال، وتحولت بعض الألوية إلى كيانات وهمية وكشوفات أسماء بلا جنود على الأرض تُستغل لنهب المخصصات والرواتب، بينما يترك الأبطال الحقيقيون في الخطوط الأمامية بلا سلاح أو إمداد، بالتوازي مع "هوشلية" إعلامية انشغلت فيها المنصات والوسائل المحسوبة على الشرعية بمعارك جانبية، ومناكفات وتخوينات متبادلة، بدلاً من توجيه الآلة الإعلامية لمقاومة الفكر الحوثي وتوحيد الصف، مما أظهر هذا المعسكر ككيان مشتت فاقد للرؤية والهدف. هذا الشتات عمّقه تعدد القيادات والولاءات والانقسامات داخل المعسكر الواحد، فلم تعد هناك كلمة واحدة تجمعهم، وتشرذمت الولاءات خلف مشاريع صغيرة وحسابات حزبية أو مناطقية ضيقة، وسادت "العنتريات" الزائفة من قيادات تطلق التهديدات عبر القنوات الفضائية بينما لا تملك وزناً حقيقياً على الأرض، مما تسبب في شلل تام لعملية اتخاذ القرار. وبينما كان يُفترض بالمناطق المحررة أن تكون واحة للأمن والاستقرار والتنمية لتقديم البديل الأفضل، واجه المواطن فيها أسوأ أزمات الخدمات من انقطاع للكهرباء، وغلاء المعيشة، وزاد الطين بلة انتشار النقاط العسكرية العشوائية وفرض الجبايات الباهظة على التجار والمواطنين دون سند قانوني، بالتزامن مع تفشي ظاهرة "المفصعين" والمجاميع المسلحة المنفلتة التي روعت الآمنين وبسطت على الممتلكات العامة والخاصة في ظل غياب تام لقوة القانون وارتداع الدولة، وهو الواقع المرير الذي غُذّي بثقافة "التخوين" المتبادل والأقصاء بين المكونات المنضوية تحت راية الشرعية، حيث يرى كل طرف في نفسه الممثل الوحيد للوطنية ويتهم غيره بالعمالة، الأمر الذي أضعف النسيج الاجتماعي وفتت القوة الصلبة التي كان يجب أن تتوحد ضد الخصم المشترك. إن كل هذا الخذلان الإداري والأمني والعسكري قدم خدمة جليلة لجماعة الحوثي على طبق من ذهب، حيث استثمرت الجماعة هذه الفوضى عبر تقديم نفسها للحاضنة الشعبية في مناطق سيطرتها، ورغم بطشها وجبروتها وجباياتها، باعتبارها "سلطة أمر واقع قادرة على ضبط الأمن وإنهاء الانفلات العسكري"، مما جعل المواطن اليمني البسيط في صنعاء أو ذمار أو إب يقارن بين غياب الخدمات والأمن في مناطق الشرعيه وبين الاستقرار الأمني الظاهري في مناطق الحوثي، ليفضل في النهاية البقاء تحت حكم المليشيا على الذهاب نحو فوضى "المفصعين" والجبايات العشوائية. تسببت هذه التصرفات في حدوث فجوة ثقة هائلة بين المواطن وقيادته، ففقدت الشرعية حاضنتها الشعبية ودافعها المعنوي، وشعر الناس بالإحباط واليأس من إمكانية التغيير نحو الأفضل، لتكون "خناجر الأقربين" أشد إيلاماً على اليمنيين من رصاص الأعداء؛ وإذا أرادت القوى المناهضة للمشروع الحوثي أن تنتصر، فإن معركتها الأولى يجب أن تكون ضد الفساد والعشوائية والمحسوبية داخل صفوفها، لأن إصلاح بيت الشرعية وتوحيد بندقيتها وتقديم نموذج دولة حقيقي يحترم النظام والقانون ويخدم المواطن، هو السلاح الوحيد الكفيل بخلخلة الحاضنة الحوثية وهزيمة الانقلاب، وما دون ذلك ليس سوى إطالة لأمد الحرب واستنزاف لتضحيات دماء الشهداء.