على مائدة الوطن .. نحنُ الأطباق وهم السكاكين
بينما نعيش في هذا الجزء من العالم، حيث تتقاذفنا أمواج الأزمات، نجد أنفسنا أمام مشهد سريالي يتجاوز حدود المنطق. إنه مشهد المسؤول الذي يطل علينا من شاشات الفخامة أو من قصور التكييف، ليحدثنا عن "فضائل الجوع" و"بطولات الصبر"، بينما بطنه، التي ترفض قوانين الفيزياء، تشهد على "جهاده" المستمر في التهام ما لذ وطاب من خزينة الدولة.
مفارقة عمر والمسؤول المعاصر
يستدعي البعض ذكرى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكيف كان يخشى محاسبة الله له عن "عثرة بقرة" في العراق، ليضربوا مثلاً بالحاكم الذي يشعر بآلام رعيته. ولكن مهلاً، فالمقارنة هنا مؤلمة!
عمر بن الخطاب: كان يخشى أن يسأله الله عن تعثر بقرة.
المسؤول المعاصر: لا يرى تعثر الشعب أمام مكتبه، وإن رآه، فقد يعتبره "ديكوراً طبيعياً" للمكان، أو "مؤامرة" لتعطيل موكبه الميمون.
اليوم، إذا تعثر مواطن في حفرة، أو مات من الجوع أمام بوابة المسؤول، فلن يسأل المسؤول نفسه: "لماذا لم أصلح الطريق؟"، بل سيسأل مساعده: "من سمح لهذا المواطن أن يتعثر هنا ويشوّه المنظر العام؟".
ثقافة "العمل التطوعي الإجباري"
من أطرف ما تجود به قريحة المسؤولين هذه الأيام دعواتهم المتكررة للمواطنين للعمل "من أجل الوطن" دون مقابل، أو براتب بالعملة المحلية التي لم تعد تكفي لشراء "كيس فاصوليا".
هذه الدعوات تأتي من أشخاص:
يتنفسون بالدولار: فرواتبهم ونثرياتهم ومخصصاتهم لا تُصرف إلا بالعملة الصعبة.
أبناؤهم في الخارج: يعيشون في نعيم لا يصله المواطن حتى في أحلامه الوردية.
ومفهومهم للوطنية: أن تضحي أنت بمستقبلك ومستقبل أولادك، ليضمنوا هم مستقبل أجيالهم إلى ما بعد الحفيد العاشر.
الشعب: "رعاة" أم "وقود للكرسي"؟
لقد تحول المواطن، في قاموس هؤلاء المسؤولين، من "أمانة في العنق" إلى "رقم في إحصائية"، أو مجرد خادم وظيفته الوحيدة هي التصفيق في المؤتمرات، والسكوت عن النهب المنظم.
إنهم لا يريدون شعباً واعياً، بل يريدون شعباً صامتاً يعاني في صمت، ويمرض في صمت، ويموت في صمت، كي لا يزعج طنين أوجاعه هدوء طاولاتهم المليئة بالمآدب.
خاتمة: الكوميديا السوداء
إن أشد أنواع السخرية في واقعنا ليست في النكات التي نتداولها، بل في كوننا ننتظر من "اللص" أن يفتي لنا بفضائل الزهد، ومن "الجائع الشبعان" أن يعلمنا كيف نقسم رغيف الخبز على عشرة أشخاص، بينما هو يلتهم الميزانية كاملة.
يقولون لنا: "اصبروا"، ونحن نقول لهم: الصبر على الجوع شجاعة، لكن الصبر على نفاقكم هو الكارثة التي لا تداويها السنين.