كشف الراتب .. مقبرة الولاءات، ومقصلة الرجولة، واغتيالٌ للوطن.

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

"أبشعُ أنواع الشخصيات وأكثرها قبحًا هي تلك التي تتخفّى خلف أقنعةٍ زائفة تدّعي المبادئ والقيم والوطنية والرجولة والشرف والنزاهة، لكنها سرعان ما تتهاوى عند اصطدامها بالمواقف، وتنكشف حقيقتها عند إدراجها في كشف الراتب اللعين، فتبدو كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. وسرعان ما تظهر سوءاتها التي تزكم الأنوف، وتغدو سمومها ونفاقها أخطر على الوطن من أي عدو."

وهذا تمامًا ما يحدث في واقعنا السياسي اليمني اليوم. ولعل من أكثر المشاهد إيلامًا ذلك التحول الدراماتيكي في مواقف نخبٍ كنا، إلى عهد قريب، نراهم خط الدفاع الأول عن الوطن والشعب. ساسة وعسكريون ومثقفون وإعلاميون، كنا نستمع إلى أطروحاتهم فنظن أننا أمام قلاعٍ حصينة من النزاهة والمبدئية والثوابت الوطنية الراسخة. لكن ما إن جفّ حبر المبادئ، وسال حبر "كشف الراتب" المشبوه، حتى تهدمت تلك القلاع، وتبدلت المواقف، وتحول حراس الحقيقة والسيادة إلى حراس مصالح، يتلونون بحسب لون الجهة التي توقّع على الشيك في آخر الشهر.

ولعل الهزائم الكبرى لا تقع دائمًا في ميادين القتال بسبب تفوق ترسانة العدو فحسب، وإنما تبدأ حين تتحول المواقف إلى سلعة، ويصبح القلم والبندقية والرمزية الاجتماعية رهائن لمرتبات عابرة للحدود. فعندما تُشترى الولاءات بكشف راتب، ويُباع الضمير في سوق الأطماع، لا يخسر المرء نفسه فحسب، بل يخسر الوطن أيضًا خط دفاعه الأخلاقي، وتغدو الحقيقة والسيادة والوطن والوحدة أولى الضحايا على مذبح كشف الراتب.

وفي هذا السياق، يضعنا المشهد السريالي الذي يعيشه اليمن اليوم أمام حقيقة موجعة: كيف تحولت كشوف الرواتب الممنوحة من قوى خارجية إلى بوصلة بديلة تحدد الانتماء، وتزيح قيمًا كبرى طالما اعتقدنا أنها من الثوابت غير القابلة للمساومة؟

يُعدّ ما يُعرف بـ"كشف الراتب" انتكاسةً حقيقية للقيم السياسية والوطنية؛ إذ تسقط فيه شخصيات كان يُفترض بها الدفاع عن السيادة والقرار اليمني والثوابت الوطنية.

إنها انتكاسةٌ حين نرى رجل السياسة الذي قضى عقودًا يتحدث عن القرار المستقل والسيادة، أو القائد العسكري الذي أقسم على حماية الدستور والوطن، أو الشيخ القبلي الذي يُفترض فيه الأنفة والاعتزاز بالكرامة، وقد سقطوا جميعًا في فخ "كشف الراتب اللعين". لقد تحوّل هذا الكشف إلى صكّ عبوديةٍ سياسية، ومقصلةٍ أطاحت بالقيم والكرامة والوحدة في وجدان أولئك اللاهثين خلفه، حتى باتوا قادرين على الإضرار بالنظام الجمهوري ذاته.

وما إن يدخل هؤلاء في دائرة الارتزاق حتى تُصاب ذاكرتهم الوطنية بعطبٍ مفاجئ. فبينما كنا نسمع منهم قبل "كشف الراتب" جعجعةً وطنية ونقدًا لاذعًا للفساد والتدخلات، يتحول الفساد والارتهان بعده، بقدرة قادر، إلى "وجهة نظر"، وتصبح الأخطاء الكارثية "حنكة سياسية"، وتُرفع الشعارات الوطنية ستارًا للاستثمار، وتُباع المواقف لمن يدفع أكثر.

ولا تكمن الخطورة فيمن باعوا أنفسهم طوعًا فحسب، بل في المنهجية الخبيثة التي تُدار بها الساحة اليوم، حيث تُستخدم شتى وسائل الضغط والترغيب لجرّ كل صوت حر إلى دائرة كشف الراتب، ضمانًا لإسكاته أو تدجينه.

لقد استطاع "كشف الراتب" أن يُحدث اختراقًا في جدار الوعي أسرع مما تفعل الجيوش. والأكثر مرارة من السقوط نفسه هو الاستبسال في الدفاع عنه؛ إذ باتت هذه الشخصيات تدافع عن مخصصاتها المشبوهة بحماسة تفوق دفاعها عن سيادة بلدها. وهكذا انقلبت المعادلة، وصار الراتب المدفوع هو العقيدة البديلة، بينما أصبحت هموم المواطن المطحون مجرد شعارات مستهلكة تُتنازل عنها بدم بارد.

إن هذا النكوص المخزي يعري نخبةً تاجرت بالبلاد، ويثبت أن الثوابت في نظرهم لم تكن سوى عباءاتٍ مؤقتة تُرتدى للمكاسب. فالتخلي عن الوطن من أجل فتات الموائد الخارجية خيانة موصوفة للتاريخ، واستهانة بتضحيات الشرفاء الذين قدّموا أرواحهم ليبقى الوطن عزيزًا لا رهن إشارة ممول.

وأخيرًا، يعلمنا التاريخ أن المواقف الرمادية لا تدوم، وأن الولاءات المستأجرة لا تبقى. فقد يربح المرتزق جولة، ويمتلئ جيبه، لكنه يخسر مصداقيته واحترام الناس. فالذاكرة الشعبية لا تُنسى؛ وستذهب المناصب، وتتغير موازين القوى، وتتوقف كشوفات الارتزاق، ولن يبقى في النهاية إلا من انحاز إلى الحق يوم كان الوطن بحاجة إلى موقف صدق، لا إلى قصيدة مديح مدفوعة الثمن.

فبئس الموقف الذي يُمحى بمجرد تغيير الصرّاف، ونِعم الشرف الذي يظل حرًا وشامخًا مهما بلغت التضحيات. فبإمكان المال أن يشتري الصمت والتبعية، لكنه يعجز تمامًا عن شراء الخلود أو صناعة تاريخٍ محترم.