لعبة القنفذة.. كيف وقعت إيران في فخ استراتيجيتها
في الطبيعة، لا يمتلك القنفذ أنيابًا حادة ولا قوة هائلة، لكنه يملك وسيلة دفاع بسيطة؛ فعندما يشعر بالخطر يلتف حول نفسه، فتتحول أشواكه إلى حصن يمنع خصومه من الاقتراب.
غير أن السياسة تختلف عن الطبيعة؛ فالدول والجماعات التي تبني استراتيجيتها على الأشواك وحدها قد تكتشف، بعد سنوات، أن تلك الأشواك لا تحميها إلى الأبد، بل قد تعزلها عن العالم، وتمنع عنها فرص الخروج من أزماتها.
لسنوات طويلة، اعتمدت إيران على توسيع نفوذها عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في أكثر من ساحة، باعتبار ذلك خط دفاع متقدمًا عن مصالحها. بدا هذا النهج، في بداياته، مصدر قوة، لكنه مع مرور الوقت حوّل كثيرًا من تلك الساحات إلى ميادين استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري.
ومع كل أزمة جديدة، كانت تكلفة هذا المشروع ترتفع، بينما تتراجع مكاسبه. فالعقوبات الاقتصادية، والضغوط الدولية، والتوترات الإقليمية، جعلت الحفاظ على هذا النفوذ أكثر صعوبة من بنائه.
والتاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة على ذلك؛ فالدول لا تسقط دائمًا لأنها هُزمت في معركة فاصلة، بل لأنها توسعت أكثر مما تستطيع تحمله، حتى أصبحت أعباؤها أثقل من قدرتها على إدارتها.
إن أخطر ما في "لعبة القنفذة" أن من يلتف حول نفسه طويلًا قد ينجح في صد خصومه، لكنه قد يجد نفسه أيضًا عاجزًا عن الحركة. وعندما تصبح كل الخيارات مؤلمة، تتحول وسيلة الدفاع إلى قيد.
وهكذا يعلمنا التاريخ أن القوة ليست في كثرة الأشواك، بل في القدرة على تجنب الوصول إلى اللحظة التي تصبح فيها الأشواك عبئًا على صاحبها، قبل أن تكون خطرًا على خصومه.
ولعل المفارقة المنصفة أن إيران، التي سعت لعقود إلى إحاطة جيرانها بأذرع النفوذ ومناطق التوتر، تجد نفسها اليوم أمام واقع معقد. فكلما اتسعت دوائر الصراع، اتسعت معها دوائر الضغوط، وأصبحت السياسات التي صُممت لتطويق الآخرين سببًا في تضييق الخناق عليها.
لقد اختارت أن تجعل من التدخل في شؤون الدول وبناء النفوذ خارج حدودها جزءًا من استراتيجيتها، لكنها بذلك فتحت على نفسها جبهات متعددة، وجمعت خصومًا متباينين حول هدف واحد، هو احتواء تمددها. وفي السياسة، كما في التاريخ، كثيرًا ما ينتهي الساعي إلى محاصرة الآخرين، وهو يجد نفسه محاصرًا بنتائج خياراته.
وهنا تكتمل صورة "لعبة القنفذة". فالقنفذ لا تؤذيه أشواكه ما دام يعرف متى ينبسط ومتى ينكمش، أما إذا ظل منغلقًا داخل دائرة أشواكه، فإنها تتحول من وسيلة حماية إلى سجن يحيط به من كل اتجاه.
وهكذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه إيران هو أن تصبح أسيرة الاستراتيجية التي صنعتها بيديها، فتكتشف، متأخرة، أن الأشواك التي زرعتها في طريق الآخرين قد أحاطت بها هي أولًا.