مليشيا الحوثي تحوّل المدن الحضرية إلى مستنقعات أثرية .. مأساة الراهدة التي تحولت من عاصمة الشجاعة إلى محمية طبيعية للزواحف والبحيرات الآسنة والكلاب الضالة
في جغرافيا "سلطة الأمر الواقع"، حيث تُقاس الحضارة بقدرة الميليشيات على تحويل المدن الحضرية إلى مستنقعات أثرية، تتربع مدينة "الراهدة" على عرش المأساة كأغرب تحفة هندسية وبيئية عرفتها البشرية. هذه المدينة التي كانت يوماً ما عصيّة على الظلم، والتي أطاحت أجيالها السابقة بالصمت وخرجت رجلاً واحداً نحو تعز في ثمانينيات القرن الماضي، تضامناً مع غيرة بطل على عرضه، تقف اليوم مذهولةً، حائرةً، ومحتلةً من قبل.. لا شيء سوى "الكلاب الضالة" و"بحيرات الصرف الصحي المفتوحة" التي تنافس بحيرات سويسرا في الرومانسية الموبوءة!
الراهدة اليوم لم تعد تلك المدينة التي ترفض الضيم، بل تحولت إلى "أوبرا كاريكاتورية" يديرها أشخاص يجنون الملايين من دماء جماركها وضرائبها، ويتركون أهلها يتأملون بريق المجاري وهي تقتحم عتبات المنازل بدل مياه الشرب. فما الذي جرى؟ ولماذا ابتلع أبناء الراهدة ألسنتهم، متناسين أن عبد الحكيم ثابت ورفاقه من أساطير الشجاعة في السبعينات والثمانينات والتسعينات (من أمثال حسن عثمان، وعبدالله الحريبي، وصالح النهاري، وعلي الدري، والبرشن، وموسى علي، وغيرها من الأسماء التي يندى لها الجبين فقداً واحتراماً) لم يكونوا يرتدون "دروعاً من البلاستيك"، بل كانوا رجالاً يُهاب جانبهم؟ هل استمرأ أهل الراهدة رائحة الكبريت وألفوا نباح الكلاب حتى صاروا جزءاً من الديكور؟ أم أنهم بانتظار أن تصبح "بيوتهم" عبارة عن عوامات بحرية في وسط بحيرة المجاري الكبرى؟
"سعيد"، مواطن من الراهدة (يغسل وجهه بماء الورد.. أقصده بماء المجاري)، سألته:
يا أخي، نراكم تعيشون فوق بحيرة من الصرف الصحي وتتوسطكم جوقة من الكلاب الضالة.. ألا يحرّك هذا فيكم شعرة غضب؟
سعيد (مبتسماً ببلادة تثير الشفقة): غضب؟! يا رجل، نحن نتحلى بالروح الرياضية العالية! الكلاب هنا أصبحت جزءاً من النسيج الاجتماعي، نعرفها فرداً فرداً، ونختار لها أسماءً على أسماء المسؤولين، ولدينا كلب مدلل اسمه "المجلس المحلي" لأنه لا يفعل شيئاً سوى النباح. أما المجاري فهي ميزة استراتيجية؛ لقد وفرنا على أنفسنا مصاريف الري للحدائق المنزلية، وإن كانت الحدائق عبارة عن جثث ذباب عملاق. خفّض صوتك يا صديق، فالموت بيد الله، والسجن بيد "الأمر الواقع"، فلماذا نُزعج أنفسنا بالكرامة وهي سلعة منتهية الصلاحية؟
انتقلنا مجازاً إلى "عضو المجلس المحلي التابع لسلطة الأمر الواقع" (يجلس في استراحة فاخرة متكئاً على إيرادات الجمارك)، قلنا له: الراهدة تغرق في المجاري والكلاب، وأنتم تجنون ملايين الجمارك والضرائب والزكاة.. أين تذهب أموال الناس يا سيادة المسؤول؟
المسؤول رد (بكل وقاحة وفلسفة باردة): أنتم يا أبناء الراهدة ناكرون للجميل! ألم نستقبلكم ونؤمنكم؟ صحيح أننا حولنا المدينة إلى "مقبرة كبرى"، وصحيح أننا بدل أن نمد شبكة مياه صالحة للشرب، مددنا لكم شبكة مجاري تصل حتى غرف النوم، لكن هذا من باب "التقارب الإنساني"! نحن نختبر مدى صبركم الروحي، لنعلمكم الزهد الصوفي الحقيقي. وبعدين، ما مال الضرائب؟ إنه يُصرف في وجوه الشرعية: تمويل جبهات الصمود والتصدي للأكسجين والحياة!
"الحاجة فاطمة" (عجوز طاعنة في السن تذكر أيام رجال الزمن الجميل)، سألناها: يا أماه، أين أيام المهاجري حسن عثمان، وعبدالله الحريبي، وعبدالباري وغيرهم من الصناديد الذين لم يكونوا ليسمحوا بنطحة عنزة في الراهدة؟
الحاجة فاطمة (تبكي بحرقة) وتقول: آه يا ولدي.. ذهب الأسد وبقيت الضباع. أيام زمان كان للراهدة رجال يغارون على العرض والأرض، وكان الواحد منهم بجيش. اليوم؟ الكلاب الضالة في الشوارع أصبحت أجرأ من مسؤولي السلطة، ورجال اليوم اكتفوا برفع أكف الضراعة: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وهم ينظرون إلى أبنائهم وهم يتأهبون لعضة كلب مسعور أو وباء كوليرا جديد. لقد تخدّر وعي الناس حتى صار الواحد منهم يرضى أن يُداس على كرامته بشرط أن يحصل على كيس دقيق تالف!
التقينا بشاب جامعي عاطل عن العمل (يعمل مرشداً سياحياً لمدينة الموت)، قلنا له: لماذا لا تنتفضون؟ أين دماء عبد الحكيم ثابت وعنفوان ثمانينات القرن الماضي؟
الشاب يرد (متهكماً): يا صديقي، ثمانينات القرن الماضي كان فيها دولة وقانون ومحافظ يُحتسب له ألف حساب (مثل اللواء محسن اليوسفي رحمه الله)، وكان الرصاص يُطلق غيرةً على العرض، لا لغرض سرقة مخصصات الغاز والجمارك. أما اليوم، فنحن في عصر "المقاولات الجهادية والكهنوتية". إذا خرجنا في مسيرة، فلن نجد أمامنا سوى مشرف أملس يوزع علينا رصاصاً مكافأةً على قلة أدبنا وطغيان طموحنا بالحياة. لذا، نحن نستعد لتأسيس "نادي الراهدة للسباحة في المجاري"، وندعوكم لتغطية الافتتاح!
لقاء مع "كلب ضال عابر" (يتمشى بثقة في الشارع الرئيس للراهدة)، قلنا له: يا سيد كلب، ما تعليقك على هذا الاستسلام العجيب من أبناء الراهدة لسيطرتكم المطلقة على شوارع المدينة؟
الكلب (ينبح بتهكم واضح، وكأنه يترجم الواقع): "وهل تركت لنا هذه الميليشيات منافساً؟ نحن لسنا ضالين يا هذا، نحن السكان الأصليون الجدد؛ نأكل مما يرمونه، وننام في بحيرات الصرف الصحي بكل راحة، والناس هنا يفسحون لنا الطريق احتراماً لسيادتنا المطلقة. العتب ليس علينا، العتب على من رضي أن يكون "أليفاً" منا في مدينته!"
الختام
في الختام، يبدو جلياً أن الراهدة تُعاقب اليوم على ماضيها المشرف؛ فمن يرفض الظلم يوماً، يُحكم عليه بأن يُعاقب بألف صنف من العبث والفوضى.
إن المشهد في الراهدة ليس مجرد سوء إدارة، بل هو "مهزلة كونية متكاملة الأركان": سلطة أمر واقع تقتات على فقر الناس وجماركهم، وتحول المدن الحضرية إلى مستنقعات وبحيرات مجارٍ، ومجتمع نسي كيف يثور فاكتفى بلعن الظلام واحتضان الكلاب الضالة.
أيها النائمون على تراب الراهدة الطاهر، ارفعوا رؤوسكم قليلاً وتذكروا أن قبور أجدادكم في المقابر ستضيق عليكم إن أنتم استمررتم في هذا الانبطاح المخزي.
الحياة والموت بيد الله وحده، فلماذا تختارون الموت بطيئاً في برك الصرف الصحي، بينما كان أجدادكم يموتون وقوفاً كالطود الشامخ؟ إن ثورة أخلاقية حقيقية لا بد أن تنطلق لتكنس هذا العفن وتطهر المدينة من رجس الفساد والجبن، وإلا.. فسلامٌ على الراهدة، وسلامٌ على أجيال سترث من أجدادها "بحر مجارٍ" ومقبرة لكلاب ضالة تخلد ذكرى من جلسوا يستمعون لنباح العبث دون حراك!