ماذا تريد المليشيا من إب أكثر مما هي عليه؟ .. "اللؤلؤة الخضراء" تُعصر بين طموحات الموت وجشع الكهوف!
لئن كانت مدينة "إب" طوال التاريخ تُعرف بـ"اللؤلؤة الخضراء" و"عروس اليمن" التي لا تعرف إلا دعة المطر، وبساطة الزرع، وطيبة الوجوه، فإنها اليوم – وتحت وقع سنابك المليشيا الحوثية – تبدو وكأنها قد وقفت في مرآة مقلوبة لتشاهد عذاباتها اليومية بألوان سوداء داكنة.
لم تكفِ هذه المليشيا شعاراتُها الرنانة ومطارداتها لكل نسمة هواء حرة، حتى قررت أن تمارس هوايتها المفضلة في "هدم الجمال وتجريف الحياة" بحق محافظة لم تعرف السلاح يوماً إلا كأداة حماية عابرة. وكأن قيادات المليشيا حين نظرت إلى خضرة إب وملاءات ضبابها وتاريخها المسالم، قالت في سريرتها: "هذه جنة لم ندخلها بعد، فلنحولها إلى جحيم موازٍ".
لم تترك المليشيا موبقة ولا نقيصة إلا وصبّتها فوق رؤوس الآمنين، بدءاً من تحويل المحافظة إلى "سوبرماركت" ضخم للمخدرات والمسكرات التي تُباع جهاراً نهاراً لتجهيل الشباب وتدمير عقولهم، مروراً بسطو "المشرفين" الجهاديين الجدد على أراضي العباد ولقمة عيش التجار، الذين تحولت محلاتهم إلى بقالات خاصة لصالح خزائن الجبهات. ولم تكتفِ بذلك، بل أطلقت العنان للثارات القبلية، وخلقت النعرات والفتن بين الغرماء وأبناء البيت الواحد، متفرجةً على الدماء وهي تسيل بلا حسيب أو رقيب، بل ومحرضةً عليها كمن يلعب لعبة "البلايستيشن" بالدم البشري.
إنها خطة ممنهجة وساخنة تقودها أيقونات القبح والكهوف ضد عاصمة الجمال، لتطرح الأسئلة الحارقة التي لا تنتهي: ماذا تريد هذه المليشيا من إب وأهلها؟ ولماذا هذا الإصرار الشيطاني على تجريد هذه المحافظة من كل ما هو إنساني وجميل؟
شهادات من قلب العذاب: عصابة تسرق المال والجهد
أبو رامي (تاجر قاصم ظهره الإتاوات) يقول: "يا ناس، هل يعقل أننا أصبحنا نتحرك بأعصاب من فولاذ لمجرد أننا نفتح محلاتنا صباحاً؟ المشرف الحوثي القادم من خلف جبال الموت لا يعرف من التجارة إلا زر الإتاوة والجباية، يدخل إلى دكاني وكأنه شريك في الميراث، يأخذ ما يشاء ويترك لي الديون والهم. تحولنا إلى عمال بالأجرة لدى عصابة تسرق العرق والجهد، وكلما طالبنا بحقنا قالوا لنا: 'أنتم في رفاهية، ادعموا المرابطين!' وكأننا نمتلك مصانع للذهب، بينما نحن لا نملك سوى ثمن وجبة تسد رمق أطفالنا. هل تريدوننا أن نغلق أبواب أرزاقنا ونموت جوعاً ليرتاح هؤلاء؟"
وقاحة لم نشهد لها مثيلاً
العم أحمد (مُسن سُلب أرضه) قال: "عمرُ إب كله لم يشهد وقاحة أشبه بما نراه اليوم. أرضي التي ورثتها عن أبي وجدي، وعرقت فيها طوال خمسين عاماً، جاء مشرف طارئ لا يحسن حتى نطق الكلمات، فوضع عليها يده بقوة السلاح وبصك مزور من محكمة مسلوبة الإرادة. يقولون لي بكل برود: 'هذه أراضي دولة!' أي دولة وأي باطل هذا الذي تفرشونه على ترابنا؟ لقد سرقوا تعب العمر، وباعوا شرف الأرض لمن يدفع أكثر، ولم يتركوا لنا إلا الحسرة، حتى القبر، إن مات أحدنا، صار يحتاج إلى واسطة لكي نحفره في أرضنا!"
أغرقوا شوارع إب وقراها بالمخدرات المهربة والحبوب الممنوعة
د. سلوى (تربوية وأم لشباب يتهددهم خطر المخدرات) تقول: "أقسم لكم أن الحرب العسكرية أرحم بكثير مما يفعله هؤلاء بأبنائنا في الخفاء والعلن. لقد أغرقوا شوارع إب وقراها بالمخدرات المهربة والحبوب الممنوعة، مستهدفين عقول جيل كامل ليحولوهم إلى مسوخ بلا وعي ولا إرادة، يسهل توجيههم إلى الجبهات أو زجهم في مستنقع الجريمة. نراهم يروجون هذه الآفات جهاراً نهاراً برعاية وتحت حماية المشرفين الذين يتقاسمون الأرباح من دماء وتجهيل أبنائنا. هل هذه هي 'المسيرة القرآنية'؟ أم هو مشروع لتدمير النواة الصلبة لهذا المجتمع الجميل؟"
كل همهم أن يقتل الجار جارَه لكي يتقاسموا تركتيهما معاً
الشيخ منصور (عاقل حارة ووجه اجتماعي) قال: "لقد أجادوا تماماً فن 'فرّق تسُد'. في السابق كنا نصلح بين الغرماء بجلسة عربية أصيلة وفنجان قهوة، أما اليوم، فالمشرف الحوثي يتدخل ليذكي نار الخلاف، ويدعم هذا الطرف ضد ذاك، ويغذي الثارات، ويمنع أي صلح أو حل ودي، لكي تبقى المدينة مشتعلة بالفتن والدماء. يريدوننا منشغلين بالثارات والدم والخصومات الشخصية، لكي لا يتفرغ أحد لمواجهة مشروعهم السلالي. أصبحوا وسطاء خراب، كل همهم أن يقتل الجار جارَه لكي يتقاسموا تركتيهما معاً!"
دمروا التعليم، وأفرغوا الجامعات من محتواها، وحولوا شباننا إما إلى مدمني مخدرات
شاب جامعي عاطل عن العمل (ساخط وغاضب) قال: "يا جماعة، هل هناك شيء لم يفعلوه بنا؟ منعونا من الوظيفة، وقطعوا الرواتب، ودمروا التعليم، وأفرغوا الجامعات من محتواها، وحولوا شباننا إما إلى مدمني مخدرات أو إلى جثث تعود من الجبهات في صناديق خشبية. وإذا تحدثنا وطالبناهم بحقوقنا، قالوا: 'أنت عميل، أنت داعشي، أنت مرتزق!' نحن لسنا سوى سجناء في أكبر معتقل مفتوح اسمه محافظة إب. فماذا يريدون أكثر من ذلك؟ هل يريدون أن نتحول جميعاً إلى تماثيل صامتة تعبد صور زعمائهم في الكهوف؟"
الخاتمة:
في النهاية، يبدو أن مليشيا الحوثي تعاني من "فوبيا الخضرة والجمال"، فهم لا يستطيعون العيش إلا في بيئات الموت والخراب والرماد. محافظة إب بالنسبة لهم مثل "النبتة الصالحة" في حقل شوك، تذكرهم دائماً بمدى قبح مشروعهم وبشاعة شعاراتهم، ولذلك قرروا أن ينتقموا منها شر انتقام؛ فبدلاً من أن يبنوا دولة، بنوا "إمبراطورية للمخدرات والجبايات والمقابر". لقد حولوا عروس اليمن إلى عجوز متعبة ترتجف خوفاً من طقم عسكري يمر في شوارعها، أو من مشرف مراهق يبحث عن غنيمة جديدة. ولكن لتشرب المليشيا من مقالبها حتى الثمالة، فمهما زرعوا من سموم الفتن، وغرسوا من أشتات المخدرات، وسرقوا من أراضي ومتاجر الكادحين، ستظل إب – بأرضها الطيبة ووعي أبنائها – أقوى من خرافات الكهف، وستأتي اللحظة التي تنبت فيها الأرض الخضراء من جديد لتكنس هؤلاء الطارئين إلى حيث أتوا... فليس على حافة الموت إلا الزبد، وأما خضرة إب فباقية رغم أنف المشرفين وتجار الحروب!