التكافل الاجتماعي .. ونشر ثقافة حفظ النعمة

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها كثير من الأسر في اليمن، تتداول بين الحين والآخر مشاهد مؤلمة لأشخاص دفعتهم قسوة الحاجة إلى البحث عن الطعام في أماكن لا تليق بكرامة الإنسان في الوقت الذي تُهدر فيه كميات كبيرة من الطعام يوميًا دون أن تصل إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. وبين هذين المشهدين تتجلى مفارقة مؤلمة؛ وفرة في جانب، وحرمان في جانب آخر.
ورغم أن هذه المشكلة تبدو كبيرة ومعقدة، فإن معالجتها قد تبدأ بخطوات بسيطة يمارسها كل فرد في حياته اليومية، وفي مقدمتها نشر ثقافة حفظ النعمة، والتعامل مع فائض الطعام بمسؤولية، وإيصاله إلى المحتاجين بطريقة تحفظ كرامتهم وتصون إنسانيتهم. فالقيمة الحقيقية للطعام لا تكمن في وجوده على موائدنا فحسب، بل في تقديرنا له، وإدراكنا أن ما يزيد على حاجتنا قد يكون سببًا في إشباع جوع إنسان آخر.
ولا يقتصر التكافل الاجتماعي على المبادرات الكبيرة أو الدعم المادي، بل يبدأ من شعور الإنسان بالمسؤولية تجاه مجتمعه، ومن ممارسات يومية تعكس الرحمة والوعي وحسن تقدير النعم. وقد يكون حفظ الطعام الفائض وتقديمه لمن يحتاج إليه من أبسط صور التكافل وأكثرها أثرًا، لأنه يجمع بين صون النعمة ومساندة الآخرين في آن واحد.
وخلال زياراتي لعدد من الدول العربية، لفت انتباهي انتشار بعض السلوكيات والمبادرات المجتمعية الهادفة إلى الاستفادة من الطعام الفائض بدلًا من هدره. فقد رأيت أفرادًا يحرصون على حفظ ما تبقى من الطعام في أكياس نظيفة ومغلقة، ثم يضعونه في أماكن مناسبة ليستفيد منه المحتاجون، في تصرف بسيط يحمل رسالة إنسانية عميقة تؤكد أن الرحمة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.
ومن بين هذه التجارب، لفت نظري في مصر وجود مبادرات وسلوكيات فردية تقوم على حفظ فائض الطعام بطريقة منظمة وإيصاله إلى من يمكن أن يستفيد منه. ورغم بساطة الفكرة، فإنها تعكس احترام قيمة الطعام، وتقدم المساعدة بأسلوب يحفظ كرامة المحتاج، بعيدًا عن الإحراج أو الحاجة إلى السؤال.
كما توجد تجارب مماثلة في عدد من المجتمعات العربية، تؤكد أن نشر ثقافة العطاء والاستفادة من الطعام الفائض ليس أمرًا صعبًا، بل يبدأ من وعي الفرد وإحساسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه، قبل أن يتحول إلى مبادرات منظمة ذات أثر واسع.
وفي اليمن، حيث تواجه كثير من الأسر أوضاعًا اقتصادية ومعيشية صعبة، يمكن لمثل هذه المبادرات أن تُحدث أثرًا إنسانيًا ملموسًا. فبدلًا من أن يتحول الطعام الزائد إلى نفايات، يمكن حفظه بطريقة صحية وآمنة، أو تخصيص نقاط لاستلامه وتوزيعه، أو إطلاق مبادرات مجتمعية تنظم جمعه وإيصاله إلى الأسر المحتاجة بما يحفظ خصوصيتها وكرامتها.
ويتميز المجتمع اليمني بقيمه الأصيلة وروح التعاون والتراحم بين أفراده، وهي قيم قادرة على أن تكون أساسًا لمبادرات مجتمعية بسيطة، لكنها ذات أثر كبير. فالتكافل الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى إمكانات ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى وعي وإحساس بالمسؤولية، وإيمان بأن كل عمل خير، مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يصنع فرقًا في حياة إنسان.
إن حفظ النعمة ليس مجرد سلوك فردي، بل هو ثقافة تعكس احترام الإنسان لما أنعم الله به عليه، وتعبّر عن مستوى الوعي والحس الإنساني داخل المجتمع. فما نراه فائضًا قد يكون رزقًا ينتظره إنسان آخر، وقد تكون وجبة بسيطة سببًا في إدخال الطمأنينة والفرح إلى قلب محتاج.
وعندما يصبح حفظ النعمة أسلوبًا للحياة، يصبح المجتمع أكثر رحمةً وتماسكًا، وتتحول التصرفات البسيطة إلى أعمال إنسانية عظيمة. فالعطاء لا يُقاس بحجم ما نقدمه، بل بصدق النية، وبالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. احفظ النعمة... فما تراه فائضًا قد يكون رزقًا ينتظره إنسان.