بوصلة الوطن ورهان الدولة .. قراءة في الخطاب الاستراتيجي للسفير أحمد علي عبدالله صالح

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ويأتينا خطاب السفير أحمد علي عبدالله صالح ليشق غبار واقع يمني مثقل بالحرب والانقسام وتآكل الدولة، بوجود خطابات تُقال للمناسبة ثم تنتهي بانتهائها.
ومن هنا، جاء خطاب السفير أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس الحزب، في توقيتٍ شديد الحساسية، ليضع الدولة والسيادة والشرعية وتوحيد الصف الوطني في قلب المشهد، ولم يكن الخطاب مجرد احتفال تقليدي.

فقد شكل خطاب السفير أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس الحزب، منعطفاً سياسياً هاماً، حيث أعاد طرح قضايا الدولة والسيادة والشرعية وتوحيد الصف الوطني على رأس الأولويات اليمنية.

لم يكن الخطاب مجرد احتفال تقليدي بذكرى تأسيس المؤتمر، بل قدم رؤية استراتيجية عميقة تتجاوز حدود الحزب لتلامس جوهر الفلسفة السياسية للجمهورية اليمنية ومستقبل مشروعها الوطني. وقد تميز الخطاب بلغة سياسية مدروسة بعناية، لم تقتصر على استدعاء الماضي، بل قدمت وثيقة استراتيجية واضحة تعيد تحديد معالم الوطنية الصادقة.

ركز الخطاب على إعادة تأكيد مبادئ الدولة الراسخة، مشدداً على ضرورة استعادة الشرعية المفترضة، وتعزيز الوحدة الوطنية كركيزة أساسية لمواجهة التحديات الراهنة. وأكد السفير صالح على أهمية تجاوز الخلافات الحزبية الضيقة لصالح المشروع الوطني الأكبر الذي يخدم مصالح جميع اليمنيين.

تتجلى في الخطاب لغةٌ سياسية استثنائية سبكت بذكاء حاد، حيث لم يكن الحديث احتفالاً لمجرد استدعاء الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، بل وثيقة استراتيجية صريحة تُعيد ترسيم حدود الوطنية الصافية.

ليس من عادة الخطابات الاحتفالية في زمن الأزمات أن تصنع فارقاً سياسياً؛ فمعظمها محاولات مكررة لاستعادة أمجاد غابرة، أو تصفية حسابات ضيقة بلغة خشبية متكلفة. غير أن القراءة الحصيفة للكلمة التي ألقاها السفير أحمد علي عبدالله صالح في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام تشير إلى أمر مختلف تماماً، وتضعنا أمام نص كُتب بعناية ودقة، يتجاوز المباشرة السطحية والانكفاء الحزبي ليلامس جوهر الفلسفة السياسية لليمن ومستقبل مشروعها الوطني الجمهوري.

لعل القوة الحقيقية التي ميزت هذه الكلمة تكمن في ذلك الطرح الصريح والمباشر لمفهوم "الشرعية"، حيث نجح أحمد علي عبدالله صالح في نزع هذا المفهوم من غياهب الارتهان وإدارته عبر شاشات المنفى، ليعيد ربطه بأصله الأخلاقي والسياسي: الالتصاق الحي بالأرض، والتلاحم الميداني مع أوجاع المواطن اليومية في قوته، ومرتبه، وخدماته، وأمنه. فالشرعية الحقيقية ليست مجرد اعتراف دبلوماسي صوري يمنح القائمين عليه حق الاسترخاء في الفنادق، بل هي قدرة عملية على إدارة الاقتصاد، وإنقاذ العملة، وصون كرامة الناس.

ومن زاوية الماضي تحديداً، يبدو الرجل أقل انشغالاً بالدفاع عن الماضي أو تعبئة جبهات الثأر، وأكثر اهتماماً بالسؤال اليمني الوجودي والأكبر: كيف يُستعاد هيكل الدولة المقوض، وما الذي ينبغي للقوى السياسية أن تفعله إن هي أرادت حقاً إنهاء هذه الحرب لا إطالتها؟ إنها نقلة نضج واضحة تنقل المكونات الوطنية من الدوران حول مكاسب الأشخاص والأحزاب إلى الانشغال بالمصلحة العامة، وتطرح تساؤلاً مركزياً حول ما يمكن توظيفه لخدمة البلد لا لخدمة السلطة.

حين استُحضر الشهداء—وفي مقدمتهم المؤسس الشهيد  الرئيس علي عبدالله صالح والأمين العام عارف الزوكا—لم يأتِ ذلك كمبرر للانكفاء على أحقاد الماضي أو تحويل الذكرى إلى مناسبة للندب والمظلومية، بل قُدمت تلك المحطة كمرتكز أخلاقي صلب للانطلاق نحو المستقبل؛ فالأمم لا تتقدم إذا ظلت أسيرة لتاريخها، كما أنها لا تستطيع بناء غدها عبر إنكاره. والمطلوب دائماً هو تحويل الذاكرة الوطنية إلى دروس مستفادة، لا إلى معارك مستمرة تلتهم الحاضر والمستقبل.

يتجلى هذا الإدراك الاستراتيجي بوضوح في الرؤية الشاملة لمعركة تفكيك المشروع الحوثي ومحاصرة نفوذه. يدرك الخطاب جيداً أن الانقسام الجمهوري والاقتتال البيني داخل صفوف القوى المناهضة للانقلاب هما الشريان الأساسي الذي يقتات عليه المشهد السائد. ومن هنا، تأتي الدعوة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتأسيس تحالف وطني عريض تذوب فيه خصومات الماضي، ليس فقط كخيار سياسي، بل كشرط وجودي حتمي. فلا يمكن بناء دولة مستقرة بعقائد مسلحة متعددة الولاءات؛ فالجيش والأمن ينبغي أن ينضويا تحت عقيدة وطنية جمهورية جامعة يكون فيها الولاء للدستور والقانون والجمهورية، لا للأشخاص والمشاريع الضيقة.

كذلك، لم يكن الدفاع عن الوحدة اليمنية مجرد شعار عاطفي منفصل عن تعقيدات الواقع، بل جاء مرتبطًا برؤية عقلانية تقوم على ضرورة بناء دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها، وتصون الحقوق والحريات، وتكرّس الشراكة الوطنية الحقيقية. فالوحدة لا تحميها الخطابات العاطفية ولا الشعارات المجردة، وإنما تحميها الممارسة اليومية لمبدأ المواطنة المتساوية؛ حيث يشعر كل يمني، من المهرة إلى صعدة، ومن عدن إلى صنعاء، بأنه شريك أصيل في وطنه، وصاحب حق في المشاركة في صناعة قراره ومستقبله
إن هذه الصياغة السياسية الهادئة والمحسوبة، في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تضع أصحابها أمام اختبار الممارسة والواقع. فالكلمات، مهما بلغت درجتها من الرصانة والعمق، تظل بحاجة إلى ترجمة عملية عبر فتح قنوات الانفتاح، وتقديم التنازلات المتبادلة، والعمل الجماعي لإعادة بناء الجسور بين القوى اليمنية المتعددة.

اليمن اليوم لا يحتاج إلى طرف ينتصر على آخر في أتون صراع مفتوح في الصف الجمهوري، بل بحاجة ماسة إلى مشروع دولة تنتصر على الحرب نفسها وتنهي المشروع الحوثي الطائفي، وتستعيد القرار الوطني، وتحمي الاقتصاد، وتبني جيشاً واحداً يقف تحت مظلة القانون. ومن هنا تكمن قيمة هذا الطرح؛ إذ إنه لم يجعل المناسبة مسك ختام للحديث، بل افتتاحاً لمسار سياسي جديد يضع الدولة أولاً، واليمن قبل الحزب، والمستقبل فوق حسابات الماضي.