الحوثيون يحوّلون السجون إلى أدوات قمع وانتزاع اعترافات.. التعذيب والإخفاء والحرمان الطبي يلاحق المحتجزين في اليمن

الحوثيون يحوّلون السجون إلى أدوات قمع وانتزاع اعترافات.. التعذيب والإخفاء والحرمان الطبي يلاحق المحتجزين في اليمن
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

تتوالى الأدلة والشهادات التي ترسم صورة قاتمة عن منظومة الاحتجاز التي تديرها مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، وسط اتهامات متصاعدة باستخدام التعذيب والعزل القسري والحرمان من العلاج وانتزاع الاعترافات بالقوة وسيلة لإخضاع المعتقلين، في ممارسات تقول مصادر حقوقية إنها أفضت في حالات عدة إلى إصابات بالغة أو وفاة محتجزين داخل السجون أو بعد الإفراج عنهم.

وتأتي هذه الوقائع بالتزامن مع تصعيد عسكري وأمني متزايد تقوده الجماعة المدعومة من إيران، ما يعيد إلى الواجهة طبيعة العلاقة بين تصاعد التوتر العسكري وتشديد القبضة الأمنية في مناطق سيطرة الحوثيين، ولا سيما مع اتساع نطاق الاعتقالات التي تطال مدنيين وموظفين دوليين وعاملين في المجال الإنساني وأشخاصاً يُتهمون بقضايا ذات طابع سياسي أو أمني.

ورغم عدم إمكانية إثبات علاقة سببية مباشرة بين التصعيد العسكري ووقائع التعذيب المبلغ عنها، فإن تزامنهما يثير مخاوف حقوقية من استغلال الجماعة أجواء الحرب لتوسيع الاعتقالات وتشديد إجراءات التحقيق وفرض روايتها الأمنية على المحتجزين.

المضواحي.. أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض

وتبرز قضية الطبيب علي أحمد المضواحي بوصفها واحدة من أكثر الحالات حساسية، بعدما تحولت قضيته من مجرد احتجاز إلى اتهامات بانتزاع اعترافات تتصل مباشرة بالعمل الإنساني والصحي الدولي.

وبحسب ما نقلته زوجته عنه، أمضى المضواحي أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض، وقال إنه تعرض للتعذيب والضغط النفسي والجسدي لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته منظمة الصحة العالمية.

وأضاف، وفق رواية زوجته، أن المحققين حاولوا دفعه إلى الاعتراف بأن لقاحات الأطفال ليست برامج صحية، وإنما أدوات للتجسس، كما تعرض للتهديد بإبقائه في السجن لعقود إذا رفض تقديم الاعترافات المطلوبة.

وتعكس هذه الاتهامات، في حال ثبوتها، مستوى بالغ الخطورة من تسييس العمل الصحي والإنساني، خصوصاً عندما يتحول تقديم الرعاية الطبية أو المشاركة في برامج التحصين إلى أساس لاتهامات أمنية.

واتهمت هيومن رايتس ووتش الجماعة الحوثية بإحالة معتقلين، بينهم المضواحي وموظف أممي وعاملون في منظمات مدنية، إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، مشيرة إلى تقارير تتحدث عن التعذيب وانتزاع اعترافات قسرية.

كما أثارت رابطة أمهات المختطفين مخاوف بشأن أوضاع محتجزين آخرين، بينهم موظف أممي أحيل إلى النيابة رغم إصابته بالسرطان وحاجته إلى رعاية طبية منتظمة.

اللقاحات في مرمى خطاب المؤامرة

ولا تأتي الاتهامات المتعلقة بالمضواحي بمعزل عن خطاب حوثي سابق تجاه اللقاحات وبرامج التحصين، إذ تبنت الجماعة في أدبياتها وخطابها الإعلامي مواقف تشكك في حملات التطعيم وتصفها في بعض خطابها بأنها جزء من «مؤامرة صهيونية» أو وسيلة للتجسس.

كما فرضت الجماعة قيوداً على حملات التطعيم الوطنية الجماعية في مناطق سيطرتها، وشددت الرقابة على حركة الفرق الطبية والأنشطة التي تنفذها المنظمات الدولية.

ويزيد هذا النهج من المخاطر التي تواجه العاملين في القطاع الصحي والإنساني، إذ يمكن أن يتحول العامل الطبي أو موظف المنظمة الدولية، في ظل البيئة الأمنية التي تفرضها الجماعة، من مقدم خدمة إلى مشتبه به بمجرد ارتباط عمله بجهة دولية.

إب.. روايات جديدة عن التعذيب والتدهور الصحي

وفي محافظة إب، برزت خلال الأسابيع الأخيرة حالات أخرى تعيد تسليط الضوء على ظروف الاحتجاز داخل السجون الحوثية.

ومن بين الحالات ماجد صادق طه، من أبناء مديرية ذي السفال، الذي ظهر، وفق مصادر محلية وشهادات أسرته، في وضع صحي متدهور بعد نحو ستة أشهر من احتجازه في مدينة القاعدة جنوب المحافظة.

وقالت والدته إن نجلها تعرض للحرق والحرمان من الطعام والنوم أثناء فترة احتجازه، واتهمت أشخاصاً مرتبطين بالجماعة باختطافه وتعذيبه.

وفي المحافظة نفسها، دخل عبد الله الشرماني العناية المركزة عقب محاولة انتحار داخل زنزانته في سجن محكمة المخادر، وفق مصادر محلية.

وقالت المصادر إن الشرماني احتُجز قرابة شهر من دون توجيه اتهام مباشر إليه، وإن احتجازه استُخدم وسيلة للضغط على أسرته في قضية أمنية مرتبطة بأحد أبنائه.

وأثارت الواقعة غضباً محلياً، وسط مطالب بالكشف عن الظروف التي دفعت المحتجز إلى محاولة إنهاء حياته، والتحقيق في طبيعة المعاملة التي تلقاها داخل السجن.

جثث تخرج من السجون وآثار التعذيب حاضرة

وفي محافظة البيضاء، تصاعدت في يوليو الماضي مطالب أهالي المحافظة ومركز «رصد للحقوق والتنمية» بالكشف عن ملابسات وفاة محمد أحمد حسين الهدار داخل السجن المركزي، وتسليم جثمانه لعائلته.

وبحسب روايات الأهالي والمركز، اعتُقل الهدار في صنعاء خلال مايو الماضي من دون مذكرة قضائية، قبل نقله إلى البيضاء، حيث توفي داخل السجن.

وقالت المصادر إن جثمانه حمل آثاراً اعتُبرت مؤشرات على تعرضه للاعتداء الجسدي والتعذيب، إلى جانب الحديث عن حرمانه من الرعاية الطبية.

وتضيف هذه الواقعة إلى سجل الاتهامات المتعلقة بوفاة محتجزين في ظروف غامضة، وتثير تساؤلات حول آليات التحقيق في الوفيات التي تقع داخل أماكن الاحتجاز الخاضعة لسيطرة الجماعة، ومدى السماح لأسر الضحايا بإجراء فحوص مستقلة أو معرفة الأسباب الحقيقية للوفاة.

المعاناة لا تنتهي عند بوابة السجن

ولا تقتصر تداعيات الاحتجاز والتعذيب على من يفقدون حياتهم داخل المعتقلات، إذ يعاني بعض الناجين من آثار جسدية ونفسية طويلة الأمد بعد الإفراج عنهم.

ومن أبرز الحالات التي يستشهد بها حقوقيون حالة عبد المجيد الشرفي، الذي قال مقربون من أسرته إنه ظل يعاني تدهوراً صحياً متواصلاً بعد سنوات من اختطافه واحتجازه لدى الجماعة، بسبب ما وصفوه بآثار التعذيب والإهمال الطبي.

وانتهت معاناة الشرفي بوفاته، فيما اعتبر فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان في صنعاء التابع للحكومة اليمنية، أن وفاته تمثل دليلاً إضافياً على الآثار الخطيرة التي يمكن أن يتركها التعذيب والإهمال الطبي في السجون الحوثية.

وقال الزبيري إن بعض المحتجزين يخرجون من السجون وهم يحملون إصابات وأمراضاً مزمنة وآثاراً نفسية قد تلازمهم لسنوات، وفي بعض الحالات قد تنتهي بالوفاة.

أكثر من 3 آلاف انتهاك خلال عامين

وتعطي الأرقام الصادرة عن مكتب حقوق الإنسان في صنعاء مؤشراً على اتساع نطاق الانتهاكات المبلغ عنها.

فالمكتب وثق 3219 انتهاكاً بحق مدنيين خلال عامي 2024 و2025، بينها 135 حالة تعذيب، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و307 محاكمات ذات طابع سياسي، تضمنت 39 حكماً بالإعدام.

وارتفع عدد الانتهاكات التي وثقها المكتب من 1537 حالة خلال 2024 إلى 1682 حالة في 2025، بزيادة قدرها 9.4 في المائة.

ورغم أن هذه الأرقام تستند إلى توثيق جهة حقوقية مرتبطة بالحكومة اليمنية، فإنها تنضم إلى سلسلة طويلة من التقارير والشهادات التي تتحدث عن أنماط متكررة من الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والمحاكمات السياسية داخل مناطق سيطرة الحوثيين.

سحر الخولاني.. مخاوف جديدة على سلامة معتقلة

وتتزايد في الوقت نفسه المخاوف بشأن الناشطة سحر الخولاني، وسط مطالب من أسرتها بالكشف عن ظروف احتجازها وضمان سلامتها والإفراج عنها.

وبحسب ما أُعلن، أعيد اعتقال الخولاني مطلع العام الحالي ووُضعت في زنزانة انفرادية، بعد أقل من عام على الإفراج عنها عقب احتجاز سابق استمر خمسة أشهر.

وتعيد قضيتها إلى الواجهة ملف استهداف الناشطين والمعارضين وأصوات المجتمع المدني، خصوصاً في ظل مخاوف من استخدام الحبس الانفرادي والاحتجاز المطول لإرغام المعتقلين على الصمت أو دفعهم إلى تقديم تنازلات تحت الضغط.

السجون كذراع للقبضة الأمنية

وتشير مجمل هذه الوقائع إلى أن قضية المعتقلين في مناطق سيطرة الحوثيين تتجاوز حالات فردية متفرقة، لتطرح أسئلة أوسع حول طبيعة منظومة الاحتجاز نفسها، وآليات التحقيق، والرقابة القضائية، وحق المعتقلين في الدفاع والرعاية الطبية والتواصل مع أسرهم.

فالاعتقال الطويل من دون ضمانات قانونية، وإخفاء المحتجزين عن عائلاتهم، والضغط النفسي والجسدي أثناء التحقيق، والحرمان من العلاج، ثم إحالة بعض القضايا إلى محاكمات ذات طابع سياسي، كلها ممارسات، إذا ثبتت، تجعل السجن أداة للسيطرة الأمنية أكثر منه مؤسسة لإنفاذ القانون.

ومع كل موجة تصعيد عسكري، تتجدد المخاوف من اتساع هذه القبضة، إذ غالباً ما تترافق التعبئة العسكرية الحوثية مع خطاب أمني أكثر تشدداً وتوسيع دائرة الاشتباه والاعتقالات.

وفي بلد أنهكته سنوات الحرب، يصبح تحويل السجون إلى ساحات للعقاب السياسي وانتزاع الاعترافات القسرية عبئاً إضافياً على المدنيين، ويعمق أزمة الثقة في المؤسسات التي يفترض أن توفر الحماية والعدالة، بدلاً من أن تتحول إلى جزء من منظومة القمع.

وتضع الشهادات المتلاحقة بشأن التعذيب والوفيات داخل أماكن الاحتجاز الجماعة الحوثية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية متزايدة، خصوصاً مع تكرار المطالب بالكشف عن مصير المختفين، وتمكين المحتجزين من الرعاية الطبية، والتحقيق المستقل في حالات الوفاة والتعذيب، وإنهاء الاحتجاز خارج إطار القانون.

وفي المحصلة، لا تكشف هذه الملفات فقط عن معاناة أفراد خلف القضبان، بل عن نمط أوسع من استخدام الاعتقال والإخفاء والضغط الجسدي والنفسي كأدوات لإدارة الخصومة السياسية والأمنية؛ وهو نمط يجعل السجون الحوثية، وفق ما ترويه الشهادات والتقارير الحقوقية، امتداداً للقبضة العسكرية والأمنية التي تفرضها الجماعة على المجتمع.