الضربات الجوية تمهّد .. والأرض تحسم

منذ 46 دقيقة
مشاركة الخبر:

ليست العبرة في الحروب بحجم النيران التي تُطلق، ولا بعدد الأهداف التي تُدمَّر، بل بقدرة القوة العسكرية على تحويل تفوقها إلى واقع جديد على الأرض. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبرز أهمية استثمار المكاسب التي تحققها الضربات الجوية في إطار عملية فجر اليمن، عبر تحرك بري منظم ينقل المعركة من استنزاف قدرات الحوثيين إلى استعادة الأرض وتثبيت السيطرة.

إن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لا يتحقق بمجرد تكثيف الغارات، مهما بلغت دقتها وفاعليتها، بل يتطلب استراتيجية متكاملة تتكامل فيها القوة الجوية مع التحرك البري، ضمن رؤية واضحة للأهداف والأولويات، وإدارة موحدة للجهد العسكري على مختلف الجبهات.

لقد أوجدت الضربات الجوية، وفقاً للمعطيات الميدانية المعلنة، فرصاً لإضعاف قدرات الحوثيين، واستهداف مراكز قيادتهم ومخازن أسلحتهم ومنصاتهم الصاروخية وتعزيزاتهم العسكرية، والحد من قدرتهم على المناورة وشن الهجمات. غير أن هذه المكاسب، على أهميتها، تظل قابلة للتآكل ما لم تُستثمر ميدانياً، وتُترجم إلى تقدم بري يغير موازين السيطرة.

وهنا تكمن مسؤولية القيادة العسكرية ألا تترك نتائج التفوق الجوي معلقة في سماء المعركة، بل أن تجعل منها مدخلاً لتقدم بري محسوب ومنظم. فكل تأخير في استثمار الفرص المتاحة يمنح الحوثيين وقتاً لإعادة ترتيب صفوفهم، وترميم قدراتهم، واستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات.

إن ما شهدته محاور باب المندب ومحيط ذو باب ومناطق في مأرب والجوف من اختراقات وتقدم، مقابل ما تواجهه جبهات أخرى من تباطؤ أو جمود ميداني أو هجمات مضادة، كما حدث في جبهات تعز ولحج، يؤكد أن المعركة تحتاج إلى أكثر من القوة النارية؛ إنها تحتاج إلى تنسيق ميداني فاعل، وتحديد دقيق للأولويات، وتأمين للمواقع المستعادة، وقدرة على منع الخصم من استعادة المبادرة.

ولا يعني ذلك الاندفاع البري غير المحسوب أو التضحية بالقوات من أجل مكاسب سريعة، بل يعني استثمار التفوق الجوي وفق تقدير عسكري مسؤول، يوازن بين سرعة التحرك ومتطلبات الجاهزية وحماية القوات والمدنيين، ويضمن أن يكون كل تقدم ميدانياً قابلاً للتثبيت والاستمرار.

إن الرهان اليوم لا ينبغي أن يكون على استمرار القصف وحده، وإنما على قدرة القيادة على بناء مسار عملياتي متكامل يجعل من الضربات الجوية وسيلة لفتح الطريق، ومن التحرك البري أداة لاستعادة الأرض، ومن التنسيق بينهما أساساً لتحقيق نتائج استراتيجية مستدامة.

فالحسم لا تصنعه الغارات وحدها، والتفوق العسكري الذي لا يغيّر واقع السيطرة يظل مكسباً ناقصاً. وإذا كان الهدف هو استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء سيطرة الحوثيين، فإن اللحظة تقتضي استثمار الفرص المتاحة، وتوحيد القرار والجهد، والانتقال من إضعاف الخصم إلى تحقيق تقدم ميداني مدروس. فالمكاسب التي لا تُثبَّت على الأرض قد تتبدد، أما المكاسب التي تُدار بحكمة فتتحول إلى خطوات حقيقية نحو الحسم.