المنفيون في وطنهم.. حين تصبح صفة "نازح" عقوبةً وظيفية في دهاليز الدولة

المنفيون في وطنهم.. حين تصبح صفة "نازح" عقوبةً وظيفية في دهاليز الدولة
مشاركة الخبر:

في كل أصقاع العالم، تُمنح صفة "النازح" لحاملها امتيازات استثنائية؛ تعويضًا عن فقدٍ قسري، ومواساةً لكرامةٍ جُرحت على أعتاب التهجير. إلا في اليمن، حيث انقلبت الموازين، حتى أضحت صفة "النازح" بالنسبة للموظف الحكومي "تهمةً إدارية" تُفقد صاحبها حقوقه، و"وصمةً وظيفية" تُسقطه من كشوفات العيش الكريم، لتتحول مأساة النزوح من رحلة بحثٍ عن الأمان إلى رحلة شتاتٍ وراء رغيف الخبز.

خديعة "الترقيم".. تواطؤ المالية والخدمة المدنية
تتعامل وزارتا المالية والخدمة المدنية مع الموظف النازح بوصفه "عبئًا" ماليًا لا يُراد تسويته، بدلًا من التعامل معه باعتباره "رأس مال بشري" نجا من أتون الحرب. ففي الوقت الذي يُنتظر فيه من الدولة احتضان موظفيها الفارين من جحيم الصراع، لا تزال كشوفات الرواتب مرتهنة لمناطق خارجة عن نطاق سيطرتها، بينما يُحرم الموظف الذي باشر عمله أو يتواجد فعليًا في مناطق النزوح من زيادات غلاء المعيشة والبدلات كافة.
ويبقى السؤال الجوهري: أين تذهب مخصصات هؤلاء الموظفين؟ وإذا كانت الكشوفات القديمة لا تزال قائمة وتُرصد لها الميزانيات، فمن يتقاضى هذه الزيادات نيابةً عن الموظفين النازحين؟ إنها دائرة مغلقة من العبث الإداري، تُقدَّم فيها سياسة "تجفيف الالتزام المالي" على كرامة الموظف وحقوقه.

الأمم المتحدة.. شاهدٌ "متواطئ" بالصمت
لا يقل دور المنظمات الدولية سوءًا عن البيروقراطية المحلية. فبينما تضخ الأمم المتحدة ملايين الدولارات تحت مسميات "الإغاثة" و"الاستجابة الإنسانية"، يظل الموظف الحكومي النازح خارج حسابات الاستحقاق.
إن إقصاء هذه الفئة من كشوفات الإعاشة والمساعدات الأممية يمثل خطأً استراتيجيًا، يتجاهل أن الموظف النازح من أكثر الفئات تضررًا؛ إذ فقد مصدر دخله المعتاد، ولم يجد البديل، ليعيش بين مطرقة الدولة التي تتنصل من حقوقه، وسندان المنظمات التي تتجاهل معاناته ببرود يثير الريبة.

مجلس الوزراء.. صمتٌ يُشرعن الإجحاف
يتحمل مجلس الوزراء المسؤولية الأخلاقية والقانونية الأولى عن هذا التيه الإداري. فغياب قرار سيادي يقضي بتوطين الموظف النازح ودمجه وظيفيًا وماليًا في المرفق الذي يباشر عمله فيه حاليًا، أو توفير فرصة عمل له في المنطقة التي نزح إليها، يُعد دليلًا على عجز حكومي مزمن.
ولا توجد عوائق قانونية تحول دون دمج هؤلاء الموظفين، بل إن المشكلة تكمن في غياب الإرادة السياسية. واستمرار هذا الوضع يعني أن الحكومة ما تزال تنظر إلى النازحين باعتبارهم "مواطنين من الدرجة الثانية"، وتسمح لمرافق الدولة بأن تعمل بمعايير مزدوجة؛ يُكرَّم فيها الموظف المقيم، بينما يُهان الموظف النازح.

مطالب عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
- إصدار قرار فوري بتوطين جميع الموظفين النازحين ودمجهم في كشوفات المرافق التي يباشرون أعمالهم فيها، وصرف جميع مستحقاتهم دون تمييز.  
- تحقيق المساواة المالية بصرف زيادات غلاء المعيشة لكل موظف حكومي، بغض النظر عن صفته، ما دام يمارس مهامه في مؤسسات الدولة المعترف بها.  
- إلزام المنظمات الدولية بإعادة النظر في معايير الاستحقاق، بما يضمن شمول الموظفين النازحين بالمساعدات الإنسانية وسلال الإعاشة بما يحفظ كرامتهم.  
- تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لكشف مصير مخصصات الموظفين النازحين، وكيفية التصرف بها طوال سنوات الحرب.  

الخاتمة:
إن الموظف النازح الذي اختار الوقوف إلى جانب الدولة، وضحّى باستقراره ومصدر رزقه، لا يستحق أن يُكافأ بهذا العقاب. فبقاء هذا الملف معلقًا ليس مجرد إهمال، بل سياسة إجحاف يجب أن تنتهي. فالحكومة التي لا تحترم موظفيها الذين ضحوا بكل شيء، لن تستطيع استعادة هيبة الدولة ولا بناء الثقة بمؤسساتها.