اليمن .. حين يصبح الابن العاق هو الغاصب الأكبر
"اخاف على اليمن من ابنائها أكثر من اعدائها" .. بهذه العبارة المكثفة التي أطلقها الرئيس الراحل عبد الرحمن الإرياني، رسمت الرؤية السياسية مبكراً ملامح المأساة الكبرى التي تعيشها البلاد اليوم.
لم تكن تلك المقولة مجرد نبوءة عابرة، بل كانت تشخيصاً عبقرياً لطبيعة الصراع الخفي والعلني على جسد الدولة اليمنية. ولو أن الإرياني بُعث من مرقده اليوم ورأى ما آلت إليه البلاد، لأدرك أن مخاوفه تحولت إلى واقع سريالي يتفوق على الخيال، حيث تحول أبناء الجغرافيا الواحدة إلى أدوات تدمير أشد قسوة ودموية من أي عدو خارجي.
إن المشهد السياسي والاجتماعي المعاصر في اليمن يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستعمار الأجنبي، مهما بلغ بطشه، عاجز عن تدمير مقومات الأمة بالقدر الذي يفعله صراع الإخوة على الفتات والكرسي.
التآكل من الداخل: كيف أكل الأبناء ثمار شجرتهم؟
لم تسقط اليمن بفعل مؤامرة خارجية محظة، بل سقطت عبر تفكيك منهجي لبنيتها الصلبة من قبل أبنائها الذين تقاسموا المنابر والأدوار. ويمكن قراءة هذا التآكل عبر عدة محاور سياسية واستراتيجية:
استبدال مفهوم "الدولة" بمفهوم "الغنيمة"
في الأدبيات السياسية الحديثة، تُبنى الدول على عقد اجتماعي يحمي المواطن ويصون سيادة الأرض. أما في اليمن، فقد تحولت الدولة بسلطاتها ومؤسساتها إلى مجرد "شركة مساهمة" بين أمراء الحرب وقادة الميليشيات ونافذي السياسة. لم يبحث الأبناء عن بناء مؤسسات تسع الجميع، بل تنافسوا على من يحوز الحصة الأكبر من ركام الوطن، غير مبالين بأن انهيار السقف يعني سحق الجميع تحت الأنقاض.
استيراد المشاريع العابرة للحدود واسترضاء الخارج
إن أشد ما يدمي القلب في المشهد اليمني هو تحول النخب السياسية والمحلية إلى وكلاء حصريين لمشاريع إقليمية ودولية. لقد تنازل الأبناء عن استقلالية القرار الوطني، وأصبح كل فريق يرى في انتصار حلفائه الخارجيين على إخوته في الوطن نصراً شخصياً، متناسين القاعدة السياسية البديهية: "من يهن يسهل الهوان عليه.. وما لجرح بميت إيلام".
تجريف الهوية الوطنية وتغليب العصبيات الضيقة
بدلًا من أن تكون الهوية اليمنية الجامعة حصناً منيعاً، عمل الأبناء على إحياء النعرات المذهبية، والمناطقية، والقبلية المقيتة. لقد أعادوا إنتاج التاريخ بصورة مشوهة لتبرير الاقتتال، وأقنعوا المواطن البسيط بأن أخاه في الجوار أو المحافظة المجاورة هو العدو الوجودي، بينما ينعم المستفيدون الحقيقيون من هذا الانقسام بالثروات والامتيازات.
المشهد الراهن: دمار تفوق على خطط الخصوم
إذا نظرنا إلى الخريطة اليمنية اليوم، سنجد أن الأعداء التاريخيين أو المنافسين الخارجيين لم يكونوا بحاجة لبذل جهد استخباري أو عسكري خارق لإسقاط الدولة؛ فقد تكفل الأبناء بهذه المهمة بكفاءة منقطعة النظير:
الاقتصاد انهار تماماً، لا بفعل حصار خارجي فحسب، بل بفعل المضاربة الممنهجة والفساد المؤسسي ونهب المقدرات بين رفاق السلاح والسياسة.
النسيج الاجتماعي تفتت، وانقسمت العائلات والمجتمعات المحلية بفعل الكراهية المتبادلة والتحريض الإعلامي اليومي.
السيادة الوطنية أصبحت ورقة مساومة في أسواق النخاسة السياسية، حيث يرهن مستقبل الأجيال القادمة مقابل بقاء فصيل في السلطة أو استمرار نفوذ زعيم حرب.
هل من مخرج من جحيم الأبناء؟
إن تكرار مأساة اليمن ،اليوم، يضعنا أمام حقيقة قاسية،العدو الخارجي قد يطمع في أرضك، لكنه لا يستطيع تدمير روحك إلا إذا وجد من أبنائك من يفتح له الابواب.
لقد أثبت التاريخ المعاصر أن الأوطان لا تسقط إلا من الداخل، وأن الخذلان الأعظم يأتي دائماً من ذوي القربى. إن إنقاذ ما تبقى من اليمن لا يتطلب فقط هزيمة الأعداء المفترضين، بل يتطلب أولاً وقبل كل شيء ثورة وعي حقيقية ضد طبقة سياسية وأبناء عاقين استرخصوا دماء شعوبهم وأرضهم من أجل مكاسب وهمية.
حتى يدرك أبناء اليمن أن الوطن ليس غنيمة تقسم، وأن البناء أصعب بكثير من الهدم، ستظل كلمات الرئيس الإرياني رثاءً حياً لمأساة أمة أضاعها بنوها بأيديهم.